
مقاربات في الطاقة النووية
- تاريخ النشر:
- 2 مارس 2010
- مدة القراءة:
- 7 دقيقة قراءة
- التصنيف:
- مقالة
الحلقة الثالثة بعنوان "اعتبارات الربح والخسارة": خصصت لمناقشة موضوع جدوى المشروع المعلن. والقول بأن المشروع سوف يجر أرباحاً بمئات الملايين من الدنانير.
نشرت في جريدة السبيل؛ بتاريخ: 2/3/2010
مما لا شك فيه أنه كلما كبر حجم المشروع النووي زاد حجم المخاطرة، وزادت الكلف التي يتوجب دفعها، للتعامل مع الحالة، في المراحل كافة: التصميم، والتنفيذ، والتشغيل، والإغلاق ( زيادة تضاعفية لا تناسبية، وبخاصة في الحجوم الكبرى). إنها قضية تراكمية تجميعية؛ يتوسع تأثيرها في المكان: ليغطي العالم كله، بدءاً بالأقرب فالأقرب ( الموقع، والبلد، والمنطقة، والإقليم، والعالم..)؛ ويمتد في الزمان: ليصيب الأجيال الحالة والأجيال القادمة، ولآلاف السنين؛ ولقد درجت الجهات الدولية المعنية على استخدام معايير صارمة، تضمن ليس فقط الناس المعايشين للمشروع والمعاصرين له، ولكن المناطق المجاورة، والأجيال القادمة، وحتى آلاف سنة! ليس معنى هذا أن علينا، أن نمتنع، أو نتردد، في الاستفادة من الطاقة النووية، ولكن: لكل شيء ثمنه! يجب على الدولة (أي دولة) أن تلتزم بالمعايير الدولية الصارمة المنوه عنها، وأن تتحمل كلف وقاية الناس وحفظ البيئة من أخطار الإشعاع.. الخ؛ الآن وفي المستقبل البعيد! في الموقع، وقربه، وبعيداً عنه: ثم تنظر إن كان المشروع مجدٍ اقتصادياً أم لا؟ تقودنا هذه الاعتبارات للتوقف عند بعض "الخصوصيات"، التي تؤثر على جدوى المشروعات النووية، والتي تضم مئات المتغيرات، المتداخلة بقوة، والمتقلبة بشدة، والتي تزداد، تنوعاً وحدة كلما زاد حجم المشروع النووي. إن حسابات جدوى المشروع النووي لا تقتصر على احتساب الكلف المباشرة، التي ندفعها مقابل: الاستشارات والتصاميم الهندسية والمواد، والمنشآت والتجهيزات اللازمة للمشروع؛ وللوفاء بمتطلبات الوقاية من الإشعاع، والسلامة والأمن النوويين؛ ولكن تتجاوز ذلك إلى كلف، أخرى، يلزم تحملها للاحتراز من المجازفات أو المخاطر المنظورة وغير المنظورة، على مدى العمر الافتراضي للمشروع، وبعده بآلاف السنين؛ والتي قد تنشأ عن أهم العوامل التالية:
- الحوادث النووية: التي يمكن أن تكون مدمرة، وقد تقع في المنشأة أو خارجها، وحتى في أي موقع في العالم؛ وما يترتب عليها من التزامات محلية وإقليمية ودولية؛ على الدولة التي يقام المشروع على أرضها وتحت ولاياتها.
- الانبثاث الإشعاعي في ظروف التشغيل العادي، والذي غالباً ما يكون له امتداد جغرافي وإقليمي واسع، ويطال كل عناصر البيئة والناس والممتلكات؛ وما يترتب عليه من التزامات دولية، مادية ومعنوية، عادة ما تكون كبيرة ومكلفة.
- الفضلات المشعة: التي تظل مولدة للإشعاع والحرارة آلاف السنين. إن برنامجاً نووياً كبيراً يتضمن، على سبيل المثال، إنتاج 4000 مليون واط، ينتج سنوياً حوالي 1000 طن من الفضلات المشعة، الغازية والسائلة والصلبة.. والتي يلزم تخزينها مؤقتاً، ثم معالجتها، ثم التخلص منها نهائياً، في مدافن دائمة، تحت رقابة صارمة، لأنها تظل عرضة للانفجار في أي لحظة، بسبب كميات الحرارة الكبيرة التي تتولد فيها (حتى لو كانت مغلفة ومدفونة تحت الأرض)؛ وعرضة لتلويث البيئة ومصادر المياه، والإضرار بالإنسان؛ وقد يكون لها تبعات إقليمية مكلفة.
- احتياطات الأمن: والتي لا تقتصر، في حالة المحطات النووية على نوبات الحراسة، النهارية أو الليلية، التي تقوم بها عادة شركات الحماية الخاصة، في المحطات والمنشآت غير النووية، ويمكن أن يقوم بها بضع أشخاص غير مسلحين؛ بل هي في حالة المشاريع النووية الضخمة تتطلب: قواعد عسكرية، مجهزة بكل ما يلزم من أسلحة، حتى منصات الصواريخ والطائرات ودوريات مسلحة ورقابة مستمرة وصارمة على مدار الساعة وطوال العام؛ هذا علاوة على الحماية الشخصية والمكانية، والاستعدادات الخاصة بالموقع، من مخافر للشرطة ومراكز مجهزة للأمن والدفاع المدني؛ ومتطلبات العمل والتواصل الاستخباراتي والمعلوماتي، في الداخل والخارج، والتجهيزات الخاصة بفرق الطوارئ، في كل مؤسسات الدولة، على مدار الساعة واليوم والسنة؛ وما يتطلبه ذلك من يقظة واستنفار مستمر ودعم لوجستي متقدم وكلف يصعب تقديرها.
- الضمانات الدولية: تطبق الوكالة الدولية للطاقة الذرية نظاماً صارماً لمنع استخدام المواد والمشاريع النووية، لغير غاياتها المعلنة، كأن تستخدم في اغراض عسكرية، أو يمكن أن تؤدي إلى عمل غير مصرح به. إن مشروعاً كبيراً كهذا يشكل حساسية (كبرى) ليس بسبب الكلف المباشرة لهذا الجهد الذي تلتزم به الدولة المعنية أمام الوكالة، بل يتجاوز ذلك إلى كلف الاحتراز من الأمور غير المنظورة أو المتوقعة، وهي كثيرة ومعقدة، وتمتد على مساحة العام كله، وليس فقط في موقع المنشأة، او في دخال البلد المعني بالمشروع.
- إعادة تأهيل المواقع، التي ستقام عليها المنشآت النووية، وتوابعها: إن المشكلة في المشاريع النووية الكبرى تكمن في المساحات الواسعة التي ستصبح غير قابلة للاستخدام أو للحياة عليها؛ والتي يرصد لها في العادة مخصصات كبيرة، من عائدات المشروع، على شكل استثمارات سنوية. ومهما رصد لها (من مخصصات) وأياً كان الجهد ودقة الإجراءات التي تتخذ في هذا الصدد فإن مواقع المنشآت النووية تظل مصدر خطر دائم؛ وكثير من مواقع المنشآت النووية في العالم لا يزال مهجوراً منذ عشرات السنوات على إغلاقها. وفي بريطانيا (على سبيل المثال) ترصد الحكومة 7 مليار دولار كلفة لإعادة التأهيل لمواقع المحطات النووية؛ غير أن كلفتة إعادة تأهيل أحد مواقع المنشآت النووية بلغت حتى الآن ما يقرب من 15 مليار جنيه استرليني، ولا تزال الأعمال لم تنته بعد، ونزيف الإنفاق مستمراً. إن ما يزيد الأمر صعوبة هو مدى التزام المستثمرين، الذين يسعون للربح السريع وبأقل الكلف، بتحمل مسؤولياتهم، تجاه مخاطر من هذا النوع. وكيفية إلزام أطراف استثمرت في المشروع (ثم انسحبت لأي سبب أو أنهت استثمارها فيه) بكلف مجازفات ومخاطر غير منظورة (لحظة انفكاكها)، أو لم تكن متوقعة، عند توقيع العقود معها؟ أو حتى كانت منظورة، ثم وقعت، وخرجت عن نطاقة السيطرة، وأصبح لها امتدادات جغرافية وزمنية كبيرة ومكلفة.. أو حتى كانت منظورة ولكن اثرها يمتد مئات وألوف السنين، مثل قضايا التلوث وتخزين الفضلات المشعة، في باطن الأرض! وهكذا يتضح أن الاستدلال على جدوى المشروع، بحسبة بسيطة؛ كالقول، مثلاً بأننا نريد أن ننتج كذا مليون واط، تكلفنا كذا مليون دينار، وسنبيعها بكذا مليون.. لنربح كذا مليون... هي تبسيط شديد لمقاربات جدوى المشاريع النووية الكبرى. إن الموضوع أكبر بكثير من الحسابات البسيطة، وإلا لوجدنا العالم كله قد تحول إلى دول مصدرة للطاقة النووية.. ولما تعطلت، أو أوقفت، البرامج النووية في الدول الكبرى، عشرات السنين.