تخطَّ إلى المحتوى
الدكتور علي المر
جميع المقالات
مقاربات في الطاقة النووية

مقاربات في الطاقة النووية

تاريخ النشر:
15 مارس 2010
مدة القراءة:
6 دقيقة قراءة
التصنيف:
مقالة

الحلقة الخامسة بعنوان " اعتبارات الأهداف والغايات ": خصصت لمناقشة موضوع غايات المشروع وأهدافه ومدى واقعيتها.

نشرت في جريدة السبيل؛ بتاريخ: 15/3/2010

أثبتت الطاقة النووية، في ظروف معينة، جدواها الاقتصادية، لتوليد الكهرباء؛ ويوجد اليوم في العالم 443 مفاعلاً نووياً، في 30 دولة، تنتج 15 % من الكهرباء في العالم؛ غير أن سجل الطاقة النووية، ذاتها، في مجال تحلية الماء ضعيف جداً، حتى أنه لا توجد اليوم محطة نووية واحدة تستخدم لتحلية الماء، بشكل تجاري؛ ويكاد هذا الملف أن يغلق تماماً، بعد أن شغل حيزاً كبيراً من اهتمام الدول، منذ بداية ستينيات القرن الماضي؛ وفيما يلي خلاصة التجارب العالمية، في هذا المجال:

  1. أنشأ الاتحاد السوفييتي السابق، عام 1972، محطة مزدوجة الغرض (لإنتاج الكهرباء وتحلية المياه)، قدرتها 1000 مليون واط حراري؛ ولقد ظلت هذه المحطة تعمل بقدرة 520 مليون واط حراري، لتولد 90 ميجا واط كهرباء، و 65 ألف متر مكعب ماء يومياً، حتى عام 2003؛ ثم أغلقت!
  2. أنشأت اليابان خطوطاً، في بعض محطاتها النووية، لتحلية المياه، بقدرة 15 ألف م3 من الماء يومياً، ثم خفت الاهتمام بها.
  3. وضعت الصين تصاميم لمفاعلات صغيرة، 10- 200 مليون واط حراري، لتزويد المناطق الساحلية والجزر الصغيرة بالكهرباء والمياه المحلاة بطريقة التقطير المتعدد التأثيرات، بقدرة 8- 150 ألف متر مكعب في اليوم؛ ولم تجرب هذه التصاميم عملياً إلا على مفاعل صغير جداً، قدرته 5 مليون واط حراري.
  4. وضعت كوريا الجنوبية تصاميم لمحطة تحلية نووية، تتضمن ربط مفاعل ماء خفيف مضغوط، قدرته 330 مليون واط حراري، لإنتاج 40 ألف متر مكعب ماء يومياً، والباقي لإنتاج الكهرباء، ولم يعمم النموذج.
  5. أعدت دراسة جدوى، في الأردن، لتوليد الكهرباء وتحلية المياه، من خليج العقبة، عام 1972، ولم تثبت جدواها.
  6. أطلقت خمس دول عربية، في عام 1989 (مصر والمغرب والجزائر وتونس وليبيا) مبادرة تهدف إلى وضع دراسة جدوى لمشروع عربي إفريقي لإنتاج الماء بالطاقة النووية، (شارك الكاتب في اجتماعاتها)، وتوقف المشروع، بعد عدة سنوات. مما سبق يتضح ما يلي:
  7. أن " تحلية المياه بالطاقة النووية"، من الناحية التقنية (أو الفنية) لم تخرج بعد عن نطاق التجريب، ولم تلق رواجاً على نطاق تجاري؛ وحتى في تجربة الاتحاد السوفييتي، الذي تعد الأكبر، ظل المفاعل النووي، على مدى 32 عاماً كاملاً، يعمل: بكفاءة حرارية 52%، وكفاءة كلية 11%؛ فقط.
  8. ولو أغفلنا الناحية الفنية، وتجاوزناها إلى الاعتبارات الأمنية، نجد أن الأمر ليس على ما يرام، بل أكثر حراجة، في ضوء خصوصيات المشروع والمنطقة والبلد ( من حيث الامكانيات القليلة والخبرة التراكمية غير المتوفرة).
  9. لقد بينت التجارب: أنه كلما تعددت غايات المنشآت النووية، فضلاً عن حجومها زادت العملياتية، وضعفت بالتالي قوة التحكم في اشتراطات السلامة العامة، وقلت جودتها، وزادت احتمالات الحوادث، ومشكلات الإطفاء القهري؛ وزادت، بالتالي، كلف الإدامة والصيانة والتشغيل، لتلقي ظلالاً داكنة من الشك، على جدوى المشروع، الهشة أصلاً، كما بينا في غير موقع.
  10. ولو أغفلنا النواحي الفنية والأمنية، وبحثنا في الناحية الاقتصادية، فليس محتماً أن يكون المشروع مزدوج الأهداف مجدٍ اقتصادياً، لأسباب تتعلق بخصوصيات الطاقة النووية التي تحدثت عنها في مرة سابقة؛ وبخصوصيات الموقع " منطقة العقبة ". لقد انتدبت للعمل، في محطة تقليدية بخارية، مزدوجة الغرض، ولقد كان جل وقت المهندسين، يُصرف للاهتمام بالمضخات، وتنظيف أنابيب المياه، من عوالق البحر؛ ولقد ظلت المحطة، بسبب ذلك تتوقف كثيراً، ما جعل معامل جهوزيتها متدن جداً، الأمر الذي انعكس على اقتصادياتها، حتى توقفت؛ زد على ذلك أن تلك المحطة كانت على بعد عشرات الأمتار، من البحر، وليس كما في حالة محطتنا المنشودة، التي ستبعد عشرات الكيلومترات، ما يجعل عملية جر المياه أصعب تقنياً ومكلفة جداً بسبب البعد؛ كما سنرى في الحلقة القادمة.
  11. ولو أغفلنا كل هذه النواحي، الفنية والأمنية والاقتصادية، ونظرنا في اعتبارات: نوع المنتج، والعلاقة مع المستثمرين: نجد الكثير من الأسئلة التي يجب الإجابة عليها قبل التفكير، بأننا سنلجأ لخيار تحلية الماء بالطاقة النووية، مثل: • هل يجازف بلد صغير، كالأردن: باستخدام محطته النووية الأولى الغالية المعززة (المدللة)، لاختبار هذا الخيار، من دون دول العالم، أو نيابة عن الشركات المصنعة؟ • وإذا كان ذلك ممكناً ( ولا ينقصنا الحكمة والخبرة) فهل سيتشجع المستثمرون لهذا الخيار؟ • وإذا وجد من يتشجع فإلى أي مدى يهتم أرباب المال بإنتاج الماء وبيعه بكلف معقولة، حسب السوق إذا كان العمل سيتم على أسس تجارية محضة؟ • وإذا وجد من يهتم: هل يمكننا تفويض الغير (المستثمرين) بالتحكم في هذا المنتج؛ ونحن نعلم أن الماء من أهم السلع الأساسية، للإنسان، التي لا تخضع للحسابات الاستثمارية المحضة؟ باختصار: إن هذا الخيار( المحطة النووية المزدوجة الغرض): يتضمن مجازفات كبيرة، ومكلفة، جداً.. ويتطلب إعادة النظر، على أسس علمية وعملية، بعيداً عن الأفكار الطارئة، أو القناعات الأكاديمية البحتة.