
مقاربات في الطاقة النووية
- تاريخ النشر:
- 24 مارس 2010
- مدة القراءة:
- 8 دقيقة قراءة
- التصنيف:
- مقالة
الحلقة السادسة بعنوان " اعتبارات الموقع ": خصصت لموضوع صلاحية وبدائل " موقع المشروع" المعلنة في ضوء حساسية المشروع وحجمه واحتياجاته.
نشرت في جريدة السبيل؛ بتاريخ: 24/3/2010
إن أصعب ما في المشاريع النووية هو: عملية اختيار الموقع الذي سيقام عليه المشروع، وبخاصة منشآت الطاقة الكبرى. لقد أصبحت التصاميم الهندسية معروفة ومختبرة، والمواد مجربة، ولم يعد توفير الوقود يشكل صعوبة... أما عملية اختيار الموقع فتتأثر بعشرات المتغيرات الحساسة، التي تتطلب قاعدة بيانات ضخمة، وبرامج حاسوبية معقدة جداً، لتحليلها واختيار الموقع المناسب؛ وعادة من بين مجموعة من الخيارات المتاحة. باختصار ليس هنالك معايير ثابتة، يقاس عليها مكان ما، لمعرفة إن كان مناسباً للمشروع، ولكن أطر عامة، يجب التقيد بها، في ضوء المتغيرات الموضعية، وحساسياتها، التي تشمل اعتبارات: الصحة، والأمن، والسلامة العامة، وحفظ البيئة، والعوامل الاقتصادية، والاقتصادية- الاجتماعية، والعلاقات الدولية.. الخ؛ وفيما يلي بعض المؤشرات التي يجب اعتبارها في اختيار الموقع:
- الطبيعة التكوينية: يجب أن يمتاز موقع المنشآت النووية: بطبيعة تكوينية مستقرة؛ وأن تتباعد فترات التغيرات الجيولوجية، التي قد تؤدي إلى حصول هزات أرضية، وأن تكون التوقعاتُ بحصول أي زلزلة، في المستقبل، معتبرةً بالنسبة لعمر المشروع الافتراضي؛ وكمؤشر يجب أن يبعد موقع المنشأة النووية، 10 كم على الأقل، عن مواقع الصدوع المحتملة، أو التكوينات الجيولوجية، بطول 20 كيلو متر، غير المصنفة بأنها صدوع؛ و50 كيلو متر، عن المناطق قليلة النشاط الزلزالي، والتي لا تتجاوز شدة الزلازل فيها 2-3 ريختر. وهذه الشرط غير متوفر في منطقة العقبة، التي هي، ليست فقط، في قلب منطقة الفوالق الثانوية، بل عند فالق القويرة الكبير، وعند ملتقى الصفيحتين العربية والإفريقية، الذي شهد واحداً من أعنف حركات الصفائح الأرضية، والتي أدت إلى زلزال عنيف، بلغت قوته 7.3 درجة بمقياس ريختر؛ وتشهد دورياً، زلازل بقوة 6 ْ ريختر، كل 30 عاماً؛ وعواصف زلزالية بقوة أقل، ولكن بشكل مستمر، مثل عواصف الأعوام: 83، 90، 93، 95، 96، 98؛ من القرن الماضي. الأمر الذي أدى إلى تحفيز النشاط الزلزالي، لبعض الفوالق الثانوية، في العقد الحالي، وإلى ظهور عاصفة من الزلازل، تراوحت قوتها بين 1.5- 3 ْ ريختر؛ وبلغ أشدها 4.1 ْ ريختر، عام 2007؛
- التلوث الحراري: تولد المحطات النووية كميات كبيرة من الحرارة، تبثها في الهواء والأنهر والبحار التي تحيط بها، أو التي تستخدم لتبريدها. ولهذا يجب أن تنشأ المحطة بعيداً عن المجمعات المائية المغلقة وشبه المغلقة؛ والأنهر البطيئة، التي يقل معدل تبدل الماء فيها عن 110 متر مكعب في الساعة؛ وهكذا فإن اعتبار العقبة كموقع مناسب للمشروع بدعوى توفير مياه التبريد للمحطة النووية (كما يعلن) فرضية غير دقيقة، إذا تجنبنا القول بأنها مغلوطة، لأن خليج العقبة منطقة صغيرة، ومحصورة، وتعتبر منطقة شبه مغلقة.
- التلوث الإشعاعي: تبث المحطات النووية كميات كبيرة، من النظائر المشعة، في البيئة؛ ولهذا فإن من أهم اعتبارات الموقع أن يكون بعيداً عن الأماكن الحساسة والمهمة، مثل: المجمعات السكنية، الحالية والمنظورة؛ والأراضي الزراعية، والغابات، والأحراج؛ والمناطق المخصصة للصيد البري والبحري، وأحواض المياه الجوفية، والمطارات والقواعد العسكرية؛ والمناجم، والمناطق الواعدة بالثروات الطبيعية. وكمؤشر: يجب أن تكون المحطة بعيدة مسافة: لا تقل عن 2.5 كيلومتر، عن المجمعات السكنية، التي يقل عدد سكانها عن 2500 نسمة؛ ولا تقل عن 5 كيلو متر عن التجمعات التي يزيد عدد سكانها عن هذا الرقم. وكمؤشر عام فإن كثافة سكانية بمقدار " صفر نسمة في الكيلو متر المربع"، في إطار 50 كيلومتر، حول المحطة: تعد الحالة الفضلى. وتعد كثافة 100 نسمة للكيلومتر المربع، في الإطار نفسه خياراً سيئاً للغاية!
- الطبوغرافيا والتضاريس: تقع العقبة ( المدينة والميناء) في مكان ضيق، منخفض، محاط بجبال عالية، من ثلاث جهات تقريباً؛ ما يؤدي إلى انخفاض معدل تبدل الهواء، وارتفاع تركيز الإشعاع والغبار الذري المنبعث من المحطة ( في حال بنائها)؛ وزيادة حدة التلوث الحراري والإشعاعي، اللذين سبق الحديث عنهما، في الفقرة (2 و3).
- المناخ: تعمل الرياح السائدة، في العقبة (شمال- غرب) على زيادة حدة العامل السابق، حيث يتم تجميع الغبار أكثر، من المناطق الشمالية المفتوحة، والتي ستنشأ فيها المحطة.
- الدوامات الهوائية: إن وجود مسطح مائي مفتوح، إلى الجنوب من المدينة، يدفع الهواء، على مبعدة أميال جنوباً، نحو الشرق؛ الأمر الذي يؤدي إلى حصر حركة الرياح الشمالية، المحملة بالغبار الصحراوي والغبار الذري ( في حال إنشاء المحطة) عند مسافة قريبة جنوب العقبة، الأمر الذي يؤدي إلى دوامة هوائية، تعمل على تركيز الغبار الصحراوي والذري، في المدينة.
- الحدود الدولية: تتطلب المنشآت النووية، البعد، بمسافة محسوبة، عن الحدود الدولية، وذلك لمقتضيات الأمن، وللحؤول دون تجاوز الانبثاث الإشعاعي العابر للحدود، في أقسى ظروف التشغيل الاعتيادي المحتملة، المستويات المسموح بها دولياً؛ ولكي يتاح وقت كاف في حال الحوادث، للدول المجاورة، لاتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة، من إخلاء وإجلاء وغيرهما. وهذه المسافة يتفق عليها مع الدول المجاورة ( وكمؤشر فإن 50 كم يعتبر مناسباً بموافقة الأطراف المعنية).
- وأخيراً، وليس آخراً: لا بد من التوقف ملياً عند الخصوصيات الوطنية للعقبة؛ التي تحظى، رغم مساحتها المحدودة، باهتمام وطني فائق، سياحياً وتجارياً واقتصادياً وسكانياً، في الحاضر وفي المستقبل أكثر. وكمنفذ بحري وحيد، للأردن، إلى العالم الخارجي، ما يقتضي المحافظة على العقبة، وتخطيط نوع المشاريع، التي تقام فيها لعشرات السنين، بل أكثر؛ وإلا سنجدها وقد تحولت إلى موقع ملوث، مكتظ، بالمشاريع والنشاطات والمنشآت، وأسوأها: المنشآت النووية؛ وحينها "ولاة حين مناص "، لن يستطيع أطباء الأرض.. صنع طقم أسنان، يعيد للثغر الباسم، جماله وأناقته! وهكذا.. تعمل جميع الاعتبارات السالفة الذكر، وهي قليل من كثير، ضد " فرضية " اعتبار منطقة العقبة (المؤملة)، خياراً مناسباً للمحطة النووية (المنشودة)؛ لأن كلاً منهما يؤثر تأثيراً سلبياً وبليغاً (بأبسط العبارات) على خصوصية الأخرى وأهميتها ... وجمالها... (ودلالها!).