تخطَّ إلى المحتوى
الدكتور علي المر
جميع المقالات
مقاربات في الطاقة النووية

مقاربات في الطاقة النووية

تاريخ النشر:
4 أبريل 2010
مدة القراءة:
8 دقيقة قراءة
التصنيف:
مقالة

الحلقة السابعة بعنوان "اعتبارات اليورانيوم والوقود النووي" : خصصت لمناقشة ما يعلن عن " إمكانية بناء مصنع أردني لإنتاج الوقود النووي، واليورانيوم المخصب محلياً".

نشرت في جريدة السبيل؛ بتاريخ: 4/4/2010

لم يكن موضوع اليورانيوم والوقود النووي أقل تداولاً من غيره من موضوعات الطاقة النووية في وسائل الإعلام المحلية والدولية، وفي المنتديات العلمية والمعنية. والحق إن كثيراً مما كان يقال، على شكل مقترحات أو تصريحات إعلامية كان: مربكاً ومعيقاً للعمل، وخارجاً عن السياق في كثير من القضايا المفصلية والحاسمة؛ أقول هذا ليس من منطلق أنني من عاصر موضوع اليورانيوم، من بدايته وحتى نهايته، بل من عمل فيه وعايشه، دون انقطاع، بحكم وظيفتي وتخصصي، منذ أول ورقة كتبتها فيه، قبل نحو 30 عاماً، وحتى تقاعدي، عام 2006. في البداية، في عام 1985، قمت بإعداد دراسة عن اليورانيوم الأردني، اعتمدتها الحكومة والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتكللت بإنشاء مشروعين لليورانيوم، في المدة من 1988- 1990، بدعم مالي وعلمي من الوكالة الدولية للطاقة الذرية: المشروع الأول: لاستخلاص اليورانيوم من خام الفوسفات؛ ولقد تكلل، بتحقيق الأهداف التالية بنجاح تام:

  1. إنشاء معمل ريادي، في الأردن، لإنتاج الخامة الأولية للوقود النووي، التي تسمى الكعكة الصفراء.
  2. اختبار طرائق الاستخلاص محلياً. ولقد نجحنا في التوصل إلى طريقة لاستخلاص ما يقرب من 90% من محتوى اليورانيوم في الفوسفات الأردني، بطرائق بسيطة وميسرة.
  3. المباشرة في الاستعداد لمرحلة الإنتاج التجاري، لحوالي 100 ألف طن من اليورانيوم المخلوط في الفوسفات، والتي تذهب سدى مع الفوسفات المصدر للخارج في كل عام! المشروع الثاني: للتنقيب عن اليورانيوم التقليدي؛ ولقد أسفر هذا المشروع وتطوراته اللاحقة عما يلي:
  4. تحديد مناطق توافر اليورانيوم في المملكة، في ست مواقع رئيسة.
  5. تقدير احتياطي اليورانيوم، من هذا النوع، في منطقة سواقة وحدها، بحوالي 60 ألف طن؛ منها 24 ألف طن، بنسب مرتفعة نسبيًا، قابلة للاستثمار في حال ارتفاع أسعار الطاقة.
  6. وضع خطة للتنقيب عن اليورانيوم في مناطق أخرى رصدت لها الحكومة مبلغ مليون دينار في عام 2007 وحده.
  7. وضع خطة لإنتاج 2000 طن سنوياً من مادة الكعكة الصفراء من منطقة وسط المملكة.
  8. استقطاب الاهتمام العالمي بهذه الثروة، والذي تكلل بإحالة المشروع على شركة دولية، قبيل إحالتي على التقاعد عام 2008.. وأخيراً تناقلت وسائل الإعلام، ومنها وسائل دولية، قبل مدة، أننا سوف نقوم بإنتاج اليورانيوم المخصب الذي تحتاجه مفاعلاتنا بأنفسنا... وهنا لا بد من وقفة متفحصة عند موضوع تخصيب اليورانيوم! فالتخصيب، وهو عملية رفع نسبة اليورانيوم- 235 في الوقود النووي، يتم بثلاثة طرائق، أكثرها انتشاراً طريقة الطرد المركزي؛ ربما لأنها الأسهل والأكثر إنتاجًا. غير أن السهولة ليست المعيار الوحيد لاختيار هذه الوسيلة أو غيرها، بل هنالك اعتبارات أخرى كثيرة، أهمها بالطبع هو الحصول على التقانات اللازمة: من أين؟ وكيف؟ وبأي ثمن؟ إن الدول الصناعية، المالكة لهذه التقانات، لا تسمح، حتى لأقرب الأصدقاء، أن تتسرب إليها تقانة التخصيب لأسباب نعرفها جميعاً، وإلا لأصبح العالم في مهب رياح تصنيع الأسلحة النووية العاتية!؟ إنني أجزم، 100%، بأنه ما من دولة ستصدر لنا، أو لأي دولة، أي نوع من تقنيات التخصيب المعروفة. لقد أنشأنا، في تسعينيات القرن الماضي، وبمبادرة ذاتية، مشروعاً عربياً لاستخدام الليزر في تخصيب اليورانيوم، بدعم من الهيئة العربية للطاقة للذرية، كان مقرراً أن يكون في الأردن؛ ولكنه توقف.. ولن تجدي أية محاولة لاستئناف مثل هذا العمل، لسبب بسيط " الأمن العالمي !".. هذا من جهة.. أما من الجهة الأخرى، فحتى لو سمح لنا باقتناء مثل هذه التقانات، فإن سيلاً من الأسئلة تظل بلا إجابة، مثل:
  9. كم سندفع ثمناً للشركات، أو الدول، التي سوف تزودنا بها؟ وما أثر ذلك على جدوى المشروع برمته، وعلى اقتصاديات المحطات النووية التي نرغب في إنشائها؟
  10. كم سيكلفنا إنتاج كمية محدودة من اليورانيوم المخصب، للاستخدام المحلي، بطرائق مستهلكة جداً للطاقة مثل: طريقة الطرد المركزي، التي تحتاج إلى عشرات ألوف الطرادات، تظل تعمل، ليل نهار، على مدى اليوم والعام، لسنوات طويلة، وتستهلك كميات كبيرة من الكهرباء، لإنتاج كمية من اليورانيوم المخصب بنسب متدنية؟
  11. هل سنبني مشروع التخصيب لإنتاج وقودنا الخاص بنا فقط.. ثم نوقف الطرادات المركزية عند الوفاء باحتياجاتنا؟ أم أننا سنتعاقد مع دول لبيع الفائض من الوقود المخصب؟ وهل في هذه الحالة لدينا تصور عن تجارة الوقود النووي.. السلعة الحساسة التي لا تخضع فقط لاشتراطات السوق، من الجودة والعرض والطلب وحسب، بل لاعتبارات سياسية، متقلبة وعاصفة جداً.. ولاعتبارات المضاربات المثبطة؟ ولمن لا يعلم هنالك حركة غير منظورة، في العالم، تعمل في المضاربة بأسعار الوقود النووي لمنع الدول من تطوير مصادرها الذاتية.. مما سبق يتضح أن الإعلان عن الرغبة في تخصيب اليورانيوم هو طموج مفرط في التفاؤل، حتى لا نقول غير صحيح. وليس أدل على ذلك أن عدداً قليلاً جداً من الدول، لا يزيد عن أصابع اليد الواحدة، يقوم بتخصيب اليورانيوم ذاتياً. إنه من مظاهر الترف العلمي الذي تتحاشى حتى الدول الكبرى الوقوع فيه بسبب كلفه الباهظة، الرأسمالية والجارية! إن التخصيب يكون ناجحا فقط إذا توفرت الاشتراطات التالية: 1) امتلاك الامكانيات العلمية والصناعية الذاتية ( كشرط أساس في جميع الأحوال مع أحد الاشتراطين التاليين أو كليهما). 2) امتلاك سوق دولي كبير لتصدير اليورانيوم المخصب المنتج، الفائض عن الحاجة المحلية؛ 2) إنتاج ما تحتاجه البرامج العسكرية من يورانيوم مخصب، ذاتياً؛ وجميعها غير متاح للأردن!
    وأخيراً: إن ترديد هذه الأفكار والفرضيات، في المنتديات العلمية ووسائل الإعلام، كمبرر للمشروع النووي الأردني المعلن، أو كواحدة من دعائمه، أو أحد أسباب نجاحه يدعونا للتساؤل: هل استوفيت الفكرة دراسة وتمحيصاً؟ وهل ينم الحديث عنها عن معرفة بالصعوبات الفنية والتقنية الملازمة لها؟ وهل يعكس تقديراً للموقف الدولي منها!؟ لا نعتقد.. وإن كنا نتمنى ذلك!