تخطَّ إلى المحتوى
الدكتور علي المر
جميع المقالات
مقاربات في الطاقة النووية

مقاربات في الطاقة النووية

تاريخ النشر:
20 أبريل 2010
مدة القراءة:
15 دقيقة قراءة
التصنيف:
مقالة

الحلقة الثامنة بعنوان اعتبارات التنمية والتطوير: خصصت لمناقشة " حالة التنمية والتطوير " اللازمة للبرامج النووية الكبرى؛ والاستثمارات الكبيرة، غير متاحة؛ وزمن التنفيذ المعلن.

نشرت في جريدة السبيل؛ بتاريخ:20/4/2010

تتميز برامج الطاقة النووية بحاجتها إلى معايير عالية جداً من الجودة والاتقان، وإلى استثمارات كبيرة، في ثلاثة أنواع من المشاريع والبنى التحتية: النوع الأول: مشاريع مركز أو محور البرنامج النووي؛ وهي المشاريع الرئيسة المستهدفة بالاستثمار، والتي تضم في حالة مشروعنا العتيد ما يلي: • 4 محطات نووية بقدرة 1000 مليون واط لكل واحدة، وربما أكثر أو أقل ( بسبب عدم التيقن وتضارب المعلومات التي تنقلها وسائل الإعلام). • مصنع لتخصيب الوقود النووي، الذي كما بينا في الحلقة السابقة، يضم عشرات ألوف الطرادات المركزية؛ وقد يتطلب إنشاء محطة كهربائية خاصة به لكثرة ما يستهلك من الطاقة والكهرباء. النوع الثاني: المشاريع المكملة لمشاريع المحور وهي ليست من الأعمال الثانوية بل مشاريع أساسية لا يمكن السير قدماً في مشاريع النوع الأول بدونها؛ بل يجب إنشاؤها وتجهيزها، في أحيان كثيرة، قبل بدء النوع الأول بوقت طويل حتى يتم اختبارها والتحقق من نجاعتها؛ ثم يصار إلى تطويرها بمرور الزمن؛ وهي تشمل في حالة مشروعنا أهم المكونات التالية:

  1. برنامج للتنقيب عن اليورانيوم من مصدريه التقليدي والفوسفاتي يغطي جميع الأراضي الأردنية؛ بما في ذلك أجهزة قياس ومخابر متطورة، وفرق استكشاف، وسيارات وآليات وحتى الطائرات أحياناً.
  2. مصنع لاستخلاص اليورانيوم من الفوسفات؛ وما يلزمه من خطوط عمل أخرى مثل: إنتاج حامض الفوسفوريك، والمواد الصناعية المستخلصة من هذه الصناعة.
  3. مصنع لإنتاج الكعكة الصفراء ( الخامة الأولى في دورة الوقود النووي)؛ وقد يتطلب الأمر إنشاء عدد من هذه المصانع، إذا نفذت عملية استثمار اليورانيوم من شركات متعددة، وفي مواقع متعددة ومتباعدة في المملكة.
  4. مصنع لإنتاج ثنائي أكسيد اليورانيوم من مادة الكعكة الصفراء، ويستخدم في تصنيع الوقود النووي غير المخصب.
  5. مصنع لتحويل ثنائي أكسيد اليورانيوم إلى غاز سداسي أكسيد اليورانيوم، المادة الخام لعملية التخصيب.
  6. مجمعات للمواد النووية والمشعة ( غير المستخدمة كالوقود الطازج) في مواقع المنشآت النووية وأماكن الإدخال والحدود؛ ومجمع مركزي لتخزين الفائض والاحتياطي من هذه المواد ومن الكعكة الصفراء.
  7. مجمعات لتخزين النفايات المشعة، تنشأ في مواقع المفاعلات النووية؛ ومجمع مركزي لتجميع النفايات، وتكريرها ومعالجتها وصهرها وخلطها وتغليفها وتجهيزها للدفن. ومكب مركزي لها، يقام تحت سطح الأرض، في منطقة بمواصفات خاصة.
  8. هيئة محاسبية للمواد النووية: تكون من القوة والتجهيزات... بحيث تضمن السيطرة الكاملة على جميع المراكز المذكورة أعلاه ومنشآتها.
  9. منظومة قياس إشعاعي للأشخاص العاملين في المكونات الرئيسة للمشروع والمكونات الداعمة له، وفي أماكن أخرى وفق نظام محدد يتفق مع البعد الجغرافي وحالة المناخ السائد، ومصادر المياه والغذاء...الخ.
  10. شبكة رصد إشعاعي بيئي وإنذار مبكر للحوادث النووية، تغطي جميع الأراضي الأردنية، ومزودة بمحطات ثابتة ومتحركة لقياس الغبار الذري؛ ومخابر منتشرة في المدن الرئيسة، وحول المنشآت النووية، ومواقع منتقاة قد تكون عرضة أكثر للحوادث والسقط (أو الغبار) الذري.
  11. هيئة تنظيمية قوية: تعنى بالترخيص والتفتيش للمؤسسات والعاملين في المشروع، لضمان السيطرة على التعرض الإشعاعي ضمن المستويات المسموح بها دوليا (!).
  12. معهد ( أو أكثر) للتعليم الجامعي على مستوى الدرجات الأولى والثانية، على الأقل، يضم مفاعلاً ومخابر في جميع ميادين الهندسة والعلوم؛ ومراكز للتدريب العملي والميداني في مواقع العمل؛ وبرامج تدريب خارجي مستمر على مستويات جامعية مختلفة لمئات من الأشخاص الذين سيعملون في المشاريع؛ وبرامج تدريب متقدم بعد الماجستير، لعدد من 300- 600 شخص من الكوادر اللازمة، لمدد تتراوح بين 48 – 60 شهر لكل شخص من هذه الفئة التي تشكل قلب العمل في المشروع.
    النوع الثالث: المشاريع الداعمة وهي عبارة عن استثمارات ومشاريع غير نووية في جميع قطاعات التنمية في البلد المعني؛ وهي تشكل الإطار القوي ( أو العمود الفقري) الذي يسند مشاريع الحوض النووي، ويشدها لتعمل معاً في تناغم، لتحقيق أهدافه؛ وأهم هذه القطاعات ما يلي:
  13. الصناعة: يجب أن يكون هذا القطاع من القوة بحيث يستطيع توفير بعض المواد والتجهيزات وقطع الغيار، وإجراء أعمال الصيانة للمشروع، ولو بالحد الأدنى؛ لضمان عدم حصول تداعيات خطيرة بسبب تأخير الصيانة إذا كانت ستنفذ من قبل شركات خارجية؛ وهي حالة تبدو صعبة التحقق ليس فقط بسبب ضعف القطاع الصناعي في الأردن، ولكن لأسباب تتعلق بمعاملي عدم التيقن وضعف الموثوقية. ولتوضيح المقصود بهذين العاملين: فقد تستطيع دولة ما صناعة صهريج ضاغط، يستخدم في غير المفاعلات النووية، ولكنها سوف تحجم عن إجراء عملية لحام بسيطة لتشقق صغير في صهريج مماثل في مفاعل نووي، بسبب هاجس أن أي خطأ صغير، ربما لا يكون مرئياً حتى بأدق أجهزة الكشف، قد يؤدي إلى وقوع حادث مدمر! هذا الشعور يدفع الدول لتوقيع عقود الصيانة وتزويد القطع مع الشركة المصنعة طوال عمر المفاعل، على مدى خمسين عاماً، وبالأسعار التي تقررها الشركة! وللتغلب على هذه المشكلة تحرص الدول على بناء مفاعلها الأول بطريقة تسليم المفتاح، ثم تبدأ تدريجياً بتصنيع مكونات مفاعلاتها اللاحقة، من الأبسط إلى الأعقد، حتى تبلغ حالة مناسبة من الاكتفاء الذاتي في مجال الصيانة وتصنيع القطع؛ ونظراً لصعوبة تحقيق هذه الحالة عندنا فسيظل المشروع مستنزفاً للموارد المالية، وقد تضعف جدواه، ويفقد مبرره كخيار بديل لمصادر الطاقة.
  14. مصادر الطاقة الأولية: يعتبر توفر اليورانيوم بكميات وأسعار مناسبة، عنصراً داعماً لبناء المفاعلات النووية؛ غير أن هذه الميزة تفقد جزءاً من أهميتها في الدول غير المصنعة، حيث لا توجد إمكانيات لتصنيع الوقود محلياً، ما يضطرها إلى بيع إنتاجها من الكعكة الصفراء ( كأي سلعة ليس لها علاقة بمشاريع الطاقة النووية) بأسعار زهيدة، مقارنة بسعر الوقود المصنع؛ هذا من جهة. ومن الجهة الأخرى: فإن مصادر اليورانيوم في الأردن لا تزال خاضعة للدراسة والتقويم، وقد لا تثبت جدوى إنتاج اليورانيوم منها، أو قد يتغير سعر اليورانيوم في السوق الدولية نتيجة، على سبيل المثال، المنافسة الشديدة بين الدول المنتجة لليورانيوم، وبسبب عمليات خفض الرؤوس النووية وتدوير اليورانيوم المخصب فيها لاستخدامه وقودًا في المفاعلات النووية، والاتجاه العالمي نحو استخدام اليورانيوم المنخفض التخصيب، والميل إلى التخلص من مخزون البلوتونيوم لدى بعض الدول، والتي قد تسفر عن طرح فائض كبير من المواد الانشطارية في السوق العالمية، يؤثر على أسعار اليورانيوم، وبالتالي على جدوى إنتاجه في المناطق التي تمتاز بانخفاض تركيز اليورانيوم في صخورها كما في الأردن. إن هذه الأمور تعني أننا لا نستطيع التيقن إلى أي مدى يمكنا التعويل على مصادر اليورانيوم المحلية للتقرير مسبقاً بشأن عدد وحجم المفاعلات النووية التي نرغب في اقتنائها.
  15. شبكة الكهرباء: يجب أن تكون شبكة الكهرباء المحلية من السعة والاستقرار بحيث تستوعب الطاقة التي ستولدها المحطات النووية الكبرى، ضمن حجم الحمل الأساس؛ وهو شرط غير متوفر في الشبكة الوطنية، كما بينا في حلقة سابقة. والشيء نفسه بالنسبة لخطوط النقل ومحطات التوزيع والتحويل ومراكز التحكم.. يجب أن تكون هي الأخرى قادرة على استيعاب التطورات والأحمال الجديدة. ربما يمكن تنفيذ هذه البنية ولكن العامل المؤثر هو في حجم الاستثمار، والزمن اللازم للتنفيذ، في ضوء عامل عدم التيقن الكبير في تنفيذ المشروع: هل سينفذ بالكامل؟ ام جزء منه؟ وكم هذا الجزء؟ ومتى؟
  16. مصادر المياه: يشكل توفير المياه اللازمة لإنتاج الوقود النووي وتبريد المحطات النووية هاجساً كبيراً، وبخاصة في الدول الواقعة في المناطق الجافة وشبه الجافة كالأردن. إن إنتاج 2000 طن كعكة صفراء، على سبيل المثال، يستهلك حوالي 2 مليون متر مكعب ماء في كل سنة. وتزداد هذه المشكلة تعقيداً في حال اشتراك العديد من الشركات الدولية في استكشاف اليورانيوم ورغبة كل واحدة منها في امتلاك مصنع خاص بها لإنتاج الكعكة الصفراء بسبب اختلاف المصالح، أو بسبب تباعد مواقع استخراج خام اليورانيوم المملكة. إن السؤال المهم هنا هو: ماذا سيحصل لو كانت الأحواض المائية من النوع غير المتجدد؟ وماذا سيحصل لو نضبت هذه الأحواض أو استنزفت؟ وكيف سيؤثر المشروع على الأحواض المائية نتيجة التلوث الإشعاعي؟ وأيهما أجدى استخدام مصادر المياه لهذه المشاريع التي تتضمن التلوث الإشعاعي أم توفيرها لغايات أكثر إلحاحاً كالشرب والزراعة؟ وهل نضمن عدم التعارض مع احتياجات دول المنطقة التي تتغذى من نفس الأحواض المائية، وبالتالي ضمان عدم اعتراضها؟ وما الثمن الذي سوف يطلب، في كل حالة، وطوال مدة المشروع (مدة غير محددة)؟ وما أثر تقلبات المصالح المتعارضة أحياناً كثيرة على جدوى المشروع في بدايته، واستمراره في العمل بعد التشغيل؟ من جهة أخرى تستهلك محطات الطاقة النووية كميات كبيرة من الماء للتبريد، يتم توفيرها في أحسن الأحوال من البحار المفتوحة ومصادر المياه الجارية كالأنهر، التي لا يقل معدل ضخها عن 110 متر مكعب في الساعة؛ وهي غير متوفرة في الأردن، كما بينا في الحلقة السادسة. أما في الأردن فإن الوسائل التي يقال أنها سوف تستخدم لتوفير ماء تبريد المفاعلات فتشمل ما يلي: • نظام التبريد المغلق: وفيه يتم تدوير مياه التبريد وإعادة استخدامها، لتوفير كمية المياه المهدورة. ومع أن هذا الخيار ممكن من الناحية العملية إلا أنه (على غير ما يقال) يحتاج كميات معتبرة من الماء، في ضوء العدد الكبير للمفاعلات وحجمها، وفي ظل الظروف البيئية والمناخ السائد ( الجو الحار والجفاف). • قناة البحرين: المزمع إنشاؤها لجر المياه من خليج العقبة إلى البحر الميت. إن المشكلة في هذه الخيار تكمن في كونه خياراً غير مضمون حتى هذه اللحظة؛ وربما يكون حجم ماء التبريد اللازم للمحطات النووية أكبر من كمية الماء الذي سوف يتدفق في القناة، في حال تنفيذها. زد على ذلك الآثار الضارة للتلوث الإشعاعي والتلوث الحراري، التي سوف تنجم عن استخدام مياه هذه القناة على منطقة الأغوار، ووادي الأردن، وهي كما نعلم منطقة مغلقة محاطة بالجبال ومرتفعة الحرارة بطبيعتها وتشكل سلة الغذاء لنا صيفاً وشتاء. إن قضية المياه من أكثر القضايا حساسية في الأردن. وإن بناء برنامج نووي ضخم كهذا سيزيد من عمق هذه المشكلة. إننا لا ندري إن كان مخزوننا من المياه الجوفية سوف يسد حاجتنا المتزايدة للصناعة والزراعة والاستخدامات المنزلية: فكيف إذا استخدمناه بهذه الكثافة والحجم لغايات هذا البرنامج النووي الضخم؟ إن الفرضية الأخرى التي تبدو موغلة جداً في التفاؤل هي استخدام المحطات النووية لتحلية المياه لسد حاجتنا لمياه الشرب. إن قواعد المنطق تفيد بأن: توفير مياهنا الجوفية المضمونة، خاصة غير المتجددة منها، خير لنا من أن ننشئ برنامجاً نووياً ضخماً مستهلكاً للمياه، وغير مضمون النتائج؛ وأن دفع آلاف الدنانير لحفر بئر ارتوازي نرتوي منه (!) أجدى لنا من إنفاق مليارات الدنانير لإنشاء محطات نووية لتحلية المياه، وهو الخيار الذي فشل في العالم أجمع، كما بينا في الحلقة الخامسة!
  17. الإدارات التنفيذية: يتطلب تنفيذ المشروع النووي إنشاء عدد من الإدارات المتقدمة، تشمل: أ) هيئات متعددة لمتابعة مشاريع الحوض النووي ( كل حسب تخصصه)، تظل تعمل طيلة مرحلة الدراسات ومرحلة التنفيذ لكل مكون من مكونات المشروع، مع التأكيد على اختلاف مهام هذه الهيئات، من مشروع إلى آخر، ومن عام إلى آخر، بسبب تنوع المشاريع، ما يزيد من صعوبة العمل وزيادة الكلف. ب) هيئات عديدة (شركات دولية) للإشراف على تنفيذ مشاريع الحوض النووي. ج) شركات مؤهلة لإدارة وإدامة كل مكون من مكونات المشروع. والحقيقة أن هذه البنى الهيكلية مكلفة جداً؛ وباستثناء ما يتعلق بالخبرات الدولية بجب أن تنشأ وتختبر قبل بداية المشروع أو المشاريع الخاصة بها بوقت طويل؛ وهو ما لا يمكن تحقيقه بالكفاءة المطلوبة قبل المباشرة بالمشروع في كل حالة.
  18. البيئة: يتأثر قطاع البيئة، في ظروف التشغيل العادي، ويؤثر كثيراً على مكونات المشروع النووي، الأمر الذي يتطلب الكثير من الاستعدادات والمرافق، للتعامل مع الموضوع في ظروف التشغيل الاعتيادية؛ وتزداد قوة هذا التأثير المتبادل: بزيادة مكونات المشروع نوعاً وحجماً؛ وهنا يتدخل عامل الجغرافيا بقوة ( كما بينا في الحلقة السادسة). أما في ظروف الحوادث فالأمر أشد خطورة بسبب تعدد المشاريع وكبرها. إن احتمال وقوع حادث منخفض مدمر في مفاعل نووي، على سبيل المثال، أقل من 1 : 20,000 في كل سنة تشغيل مفاعل، وهي نسبة قليلة يسهل التعامل معها، وفق مبدأ التبرير الدولي؛ ولكن هذه النسبة تصبح معتبرة ( 1: 60 ) عندما نتحدث: عن مشروع كبير يتكون من: مفاعل واحد للأبحاث، و 3 - 4 محطات طاقة نووية تضم كل واحدة منها وحدتين أو مفاعلين نوويين؛ وعن مشروع مزدحم يضم الكثير من المكونات، وفي منطقة ظلت قلقة باستمرار، منذ فجر التاريخ.
  19. الأمن: يشمل هذا القطاع جميع القوى الأمنية، بما في ذلك: الجيش، والدفاع المدني، والدرك، وقوى الأمن الأخرى... الخ. إن المشروع الضخم يتطلب استعدادات وتجهيزات، وحتى منشآت وقواعد عسكرية، وفرق طوارئ وإنقاذ مركزية، وفي كل مواقع المشروع، وفي المحافظات والمدن الرئيسة؛ تكون مزودة بأجهزة القياس الإشعاعي، وبالمواد والتجهيزات والآليات اللازمة لتنفيذ عمليات الانقاذ والإخلاء والإسعاف وتوفير الطعام والشراب والملابس والبطانيات والخيام.. الخ.. ومظلة لأمن المواد النووية، قطرية وإقليمية ودولية، مجهزة بأحدث وأنجع وسائل الدفاع والحماية والاتصال والتخابر.. الخ. وشبكة قطرية للرقابة على الطرق الرئيسة والحدود والمطارات مزودة بأجهزة القياس المناسبة.
  20. النقل والمواصلات: تحتاج البرامج النووية الكبرى، علاوة على شبكة الطرق الجيدة، إلى شبكة خاصة من وسائط النقل البرية والبحرية والجوية، بما في ذلك سكك الحديد والطائرات الخاصة. إن ما يزيد صعوبة هذه المتطلبات هو كثرة وتنوع وكبر مكونات المشروع النووي، والتي عادة لدواعي أمنية ولوجستية، ما تنشأ متباعدة عن بعضها البعض. والحاجة إلى رقابة أمنية صارمة، الأمر الذي يتطلب في كثير من الأحيان استخدام طرق ووسائط نقل ومرافئ ومطارات خاصة.
  21. المال والأعمال: كتقدير أولي تتطلب مكونات المشروع المركزية ( المحطات النووية) نحو من 5- 10 مليارات دينار لكل محطة نووية، وقد لا تقل كلف المشاريع النووية الداعمة في الحوض النووي عن 10 مليارات أيضاً، إذا علمنا أن مصنع بسيط للكعكة الصفراء قد يكلف 600 مليون دولار (كما أعلن في وسائل الإعلام). يضاف إلى ذلك كلفة تطوير للقطاعات المؤثرة بقوة على المشروع ( مشاريع النوع الثالث)، والتي يصعب تقديرها في الوقت الراهن. معنى هذا أننا مقبلون على مشروع قد يكلف من 20 – 40 مليار دينار (كلفة رأسمالية فقط) موزعة على 20 عاماً، تمثل المدة المستهدفة لتنفيذ المشروع؛ أي أن علينا أن نتحمل 1- 2 مليار سنوياً، بالإضافة إلى كلفة رأس المال التي يتوقع أن لا تقل عن 10- 15% في السنة بسبب غياب البنية التحتية وضعف عامل التيقن ( في برنامج مشابه رفعت بريطانيا معامل الخصم 2.5 نقطة علاوة على الرقم المستخدم في حسابات جدوى المشاريع غير النووية ليصل إلى 9%). إن السؤال الذي يطرح نفسه هنا يتعلق بآلية توفير هذه المبالغ، وكلف القروض، وضمانات التسديد، والتأمينات وغيرها، وآلية التعامل معها من حيث الأعمال المصرفية، وبالحاجة إلى جهاز مصرفي قوي ومتطور، وتصنيفات ائتمانية عالية.. وأمور كثيرة يصعب التنبؤ بها أو بتداعياتها على مدى عمر المشروع المفترض بعشرين عاماً، وما بعده في فترة التشغيل؛ حتى يتم تسديد الكلف بالكامل! إن المشكلة هنا، علاوة على ما تقدم أن كثيراً من كلف المشاريع من النوع الثالث، وجزء كبير من مشاريع النوع الثاني: لا تؤخذ في الحسبان في دراسات الجدوى للمشاريع من النوع الأول؛ وهنا تكمن الخطورة: أن يصبح البرنامج النووي ككل من النوع الذي يجر الخسائر بدلاً من جني الأرباح! وهكذا يتضح مدى عمق الهوة بين التقديرات النظرية المحضة والحاجة الفعلية، وبين الطموح والواقع. إن القضية لا يمكن أن تختزل (كما يتردد في وسائل الإعلام) في تدريب مئات المهندسين (على سبيل المثال) لكي يديروا المشروع. ولا في إنشاء نواة لهيئة هنا وأخرى هناك. ولا حتى في الحصول على وعود بالاستثمار من شركات عالمية كبرى. ولكن إلى أي مدى نستطيع، كبلد، وفي غضون سنوات قليلة، توفير هذه الاستثمارات الضخمة، وإنشاء بنية تحتية قوية ومتماسكة، بحجم متطلبات هذا المشروع، الذي تنوء بحمله العصبة من الأمم؟ وإلى أي مدى نستطيع في هذا الزمن القصير، بكل حسابات التنمية، بناء حالة متقدمة من " الثقافة النوعية بالعمق" وفق الاصطلاحات النووية، تمكننا من التعامل مع مشروع بهذه الضخامة والحساسية، وإدامته فنجني فوائده العظيمة، ونتلافى أخطاره الجسيمة، سواء ما يتعلق منها بآثار الخطر النووي المباشر، أو الأثر الارتدادي العكسي على قطاعات التنمية المختلفة. وللتوضيح فإن مشروعاً بهذه الضخامة سيصبح، في غياب النظرة الشمولية عبئاً معيقاً للتنمية على جميع الصعد، وليس على صعيد مشاريع الحوض النووي وحسب. وللوقوف على حجم المفارقة الكبيرة نذكر، للمقارنة، حالة إيطاليا التي قررت أخيراً العمل على إنتاج 25% من كهربتها بالطاقة النووية حتى عام 2030؛ وهي حالة شبيهة تماماً، ، من حيث الإطار العام، بالحالة المفترضة في الأردن؛ ولكنا بمقارنة البنى التحتية اللازمة والمؤشرات الاقتصادية في البلدين نجد الفارق الكبير بين الحالتين. وكمؤشر على بنية الحوض النووي: تعد إيطاليا واحدة من أفضل الدول الصناعية في العالم؛ وفي المجال النووي بالذات لديها خبرة طويلة تراكمية مقدارها 200 سنة- مفاعل، شملت بناء وتشغيل 5 مفاعلات بحوث نووية؛ و4 محطات نووية (أغلقت إثر حادثة تشرنوبل عام 1986 لأسباب تتعلق بالسلامة وضغط جماعات البيئة). وكمؤشرات على قطاعات التنمية والتطور: نذكر أن عدد سكان إيطاليا 60 مليون ( 10 أضعاف سكان الأردن)؛ وأنها سابع أكبر اقتصاد في العالم، قبل الأزمة الاقتصادية (والدولة 11 بعدها)؛ وأن ناتجها المحلي الإجمالي حوالي 2 تريليون دولار ( 60 ضعف الناتج المحلي الأردني)؛ ودخل الفرد فيها 30 ألف دولار في السنة (17 ضعف دخل الفرد الأردني)؛ وسعة شبكتها الكهربائية حوالي 100 ألف مليون واط ( 40 ضعف الشبكة الأردنية)! وتستورد 15% من كهربائها من الخارج، ما يعني أن 15% من قدرة محطاتها المزمع إنشاؤها سيحول لسد هذا العجز والجزء الباقي ( 10%) سوف يستغل ضمن الحمل الأساس لشبكة الكهرباء فيها ( وهو الأمر الطبيعي الذي طالما بيناه ودافعنا عنه). وهكذا نرى: أن جميع اعتبارات التنمية والتطور: تعمل لصالح الخيار النووي في إيطاليا، ضمن الإطار العام المنوه عنه ( أي إنتاج 25% من الكهرباء بالطاقة النووية بحلول علم 2030)؛ وهي نفسها تعمل لنقض هذا الخيار في الأردن (ضمن الإطار نفسه)! وأخيرًا إننا نتمنى أن يكون لدينا مشروع نووي ناجح وإنه لفخر لي شخصيًا (بحكم أنني أسست للطاقة النووية في الأردن، وأول من أدارها ولا زلت أواكبها بشغف كبير) ولكن الحديث عن مشروع بهذا الزخم، دفعة واحدة، في بلد صغير، محدود الموارد، غير مصنع، شحيح مصادر المياه، وفي زمن قياسي (20 سنة فقط)، ينطوي: على عامل عدم تيقن كبير، يضر باقتصاديات المشروع؛ وعلى مجازفات ومخاطر كثيرة وكبيرة، تضغط بقوة لمراجعة الفكرة من أساسها.