تخطَّ إلى المحتوى
الدكتور علي المر
جميع المقالات
مقاربات في الطاقة النووية

مقاربات في الطاقة النووية

تاريخ النشر:
9 مايو 2010
مدة القراءة:
17 دقيقة قراءة
التصنيف:
مقالة

الحلقة التاسعة بعنوان" اعتبارات الاستقطاب والإنفاق": خصصت لمناقشة موضوع " الاستقطاب والكلف"؛ وتأثيرها على تنفيذ بعض المشاريع الحيوية في وقتها؛ وتضخيم كلف المشاريع.

نشرت في جريدة السبيل الأردنية؛ بتاريخ: 9/5/2010

تتحدث وسائل الإعلام هذه الأيام عن تقديرات لكلف بعض المشاريع النووية، التي أحيلت عطاءاتها أو يزمع إحالتها؛ والتي تشمل: 1) مشروع إنشاء معمل لإنتاج 2000 طن سنوياً من الكعكة الصفراء، قيل بأنه سيكلف 600 مليون دولار؛ 2) مشروع المفاعل النووي التجريبي، قيل بأنه أحيل بمبلغ 130 مليون دولار؛ 3) إجراء دراسة جدوى لتوليد الكهرباء وتحلية الماء بالمفاعلات النووية؛ أحيل بكلفة 11 مليون دولار؛ والحق أن هذه الكلف كبيرة، وبالإمكان تدارك الموقف باتباع مقاربات أكثر تعبيراً عن الواقع والتصاقاً بالحاجات الوطنية؛ وفي ما يلي التفصيلات: أولاً: عطاء مشروع اليورانيوم تحدثنا في الحلقة السابعة عن البدايات الأولى لهذا لمشروع؛ وأضيف هنا أن المشروع كان قد توقف في المدة من 1992- 2001؛ وفي عام 2001 نقلت من وزارة الطاقة إلى سلطة المصادر، ونجحنا في استقطاب الاهتمام العالمي بهذا المشروع وجعله على سلم أولويات الحكومة. التي شكلت في عام 2005 لجنة فنية، كان لي شرف رئاستها، لدراسة عروض تفصيلية تقدمت بهما شركتان أجنبيتان، لاستثمار هذه الثروة بدءاً من منطقة وسط المملكة ( سواقة وما حولها). ولقد أوصت اللجنة بالإجماع: برفض العرضين وأوصت بطرح عطاء دولي ( واستقدام عروض بطريقة الظرف المختوم). في هذه الأثناء أخذت هيئة الطاقة الذرية زمام المبادرة، من سلطة المصادر الطبيعية، واستصدرت قراراً حكومياً بتشكيل لجنة جديدة لاختيار مستشار دولي مؤهل للمساعدة في اختيار الشركة الأفضل لاستثمار اليورانيوم، ولقد كان لي شرف تمثيل وزارة الطاقة وسلطة المصادر الطبيعية ( إدارة مشروع اليورانيوم) في هذه اللجنة. غير أن الأمور سارت بطريقة مغايرة. فلقد لزم المشروع على الشركة الأولى، وجرى التفاوض معها على بناء محطات نووية لتوليد الكهرباء علاوة على إنتاج اليورانيوم. والحق أن هذه المقاربة تقتضي التوقف عندها للأسباب التالية:

  1. أنها مخالفة لقرار الحكومة القاضي بتكليف اللجنة الحكومية لاختيار مستشار مؤهل، لمساعدة الحكومة في اختيار الشركة المناسبة.
  2. أنها لا تتفق مع توصية اللجنة الحكومية الأولى بطرح عطاء دولي مفتوح لاستقطاب عروض تفصيلية.
  3. أنها تحول دون الاستفادة من ميزة التنافس بين الشركات لتقديم عروض أفضل بطريقة العطاء المفتوح وبالظرف المختوم.
  4. أن تصنيف الشركات تم بناء على تقويم ذاتي أولي؛ وليس من عروض تفصيلية تتضمن النواحي الفنية والمالية والقانونية، كما يحصل في العطاءات الكبرى. لهذه الاعتبارات طالبنا: بالالتزام بمضمون كتاب تفويض اللجنة الصادر من الحكومة، وبضرورة توخي الموضوعية والشافية؛ ثم استبدلت عضويتي في اللجنة بشخص آخر، وأحلت على التقاعد، وأحيل المشروع على الشركة التي صنفت " أولاً ". وأخيراً حصل ما كنا نحذر منه، فلقد تحدثت وسائل الإعلام، عن الرغبة في التعاقد مع تلك الشركة لإنشاء معمل للكعكة الصفراء، بكلفة 600 مليون دولار، مقابل 50% من الأرباح الصافية للدولة. والحق أن هذا المقاربة تحتاج مراجعة مستفيضة للاعتبارات التالية:
  5. أن احتياطيات اليورانيوم لا تزال قيد التحقيق؛ ولم تثبت بعد إمكانية استثمارها، كما لم تنجز دراستا الجدوى والأثر البيئي اللتان أحيلتا على الشركة السالفة الذكر. وأن الحديث عن تقديرات كلف وعائدات في هذه المرحلة ربما لا يعكس الوضع الحقيقي للكلف والعائدات بعد إنجاز الدراستين.
  6. أن تقنية إنتاج هذه المادة بسيطة جداً، وأشبه ما تكون بتقنية إنتاج الاسمنت من الصخور. إنها لا تعدو عملية تجميع للصخور وطحنها بكسارات، ثم تحميصها، بمواد قلوية أو حمضية، ليرشح منها اليورانيوم، ويمكن إنشاؤها وتشغيلها بجهود وطنية وتمويل محلي.
  7. أنها لا تتضمن مخاطرات إشعاعية، تقتضي دفع كلف كبيرة لتوفير احتياطات كثيرة للوقاية الإشعاعية، لأن اليورانيوم الخلقي ( الطبيعي) مادة بطيئة الإشعاع ( عمره النصفي 4.5 مليار سنة).
  8. أن المنتج وهو ركازة اليورانيوم (أو الكعكة الصفراء) عبارة عن خامة أولية في دورة الوقود النووي؛ بمعنى أنه لا يخضع لقيود دولية صارمة، مثل الوقود المصنع والمخصب، تقتضي دفع ثمن كبير للارتباط مع الشركة بعقود طويلة الأمد لضمان تسويق المنتج عن طريقها أو بمساعدتها.
  9. أن عروض الشركات التي تقدمت لسلطة المصادر الطبيعية ( من ست شركات دولية) تضمنت: كلفاً لهذه المنشأة بين 38 مليون دولار و150 مليون دولار (أقل بنحو 4 مرات من عرض الشركة).
  10. أن العائدات المتوقعة للدولة من المشروع ستكون بحدود 30 مليون دينار في السنة، و450 مليون دينار على مدى عمر المشروع الذي يقدر (وفق الاحتياطي المثبت حتى الآن) بنحو 15 عاماً؛ وليس مليارات الدنانير كما يعلن في وسائل الإعلام.
  11. أن هذه العائدات مرشحة للتآكل بشكل كبير بسبب الانخفاض المتوقع لأسعار اليورانيوم، في ضوء الأزمة المالية العالمية، التي دفعت الدول الكبرى إلى تسييل ترساناتها من الأسلحة النووية، والمواد الانشطارية كالبلوتونيوم واليورانيوم عالي التخصيب الذي يكفي الطن الواحد منه لإنتاج 40 طناً من الوقود المخصب؛ ومن المتوقع أن يستمر هذا المنحى بسبب تعمق الأزمة في أوروبا وأمريكا، وبسبب تزايد الضغوط على الدول المتوسطة والصغيرة لعمل الشيء نفسه.
  12. أن جزءاً مهماً من عائدات المشروع ( القليلة أصلاً) سوف يستنفد لإزالة الغبار الحامل للإشعاع، ومعالجة مياه الصرف الصناعي، وحماية مصادر المياه الجوفية، وإعادة تأهيل الموقع، وخدمة رأس المال، واحتساب أثر تغير قيمة العملة، وسعر الصرف وغيرها. وقد لا تقل هذه المخصصات (للمصارف المباشرة) عن 20- 30% من العائدات الاجمالية السنوية للمشروع، وبالتأكيد أكثر باعتبار عوامل عدم التيقن وللمصارف غير المباشرة.
  13. أن هنالك طريقة جديدة واعدة لإنتاج الكعكة الصفراء " هي الترشيح الكومي "؛ وهي أبسط وأقل كلفة من الطواحين التقليدية، وكلفتها منخفضة جدًا (ملايين الدولارات فقط)، وهي بديل معتبر في الدول التي تشبه الأردن من حيث محدودية الموارد، وشح مصادر المياه، وقلة تركيز اليورانيوم في الصخور؛ وتفيد كذلك في حالة الرغبة بالسير ببطء وأناة لترسيخ " الثقافة في العمق"؛ ولتجنب عوامل عدم التيقن التي تحدثنا عنها في الحلقات السابقة.
  14. أن نسبة 50% التي ستعطى للحكومة قليلة جداً، في ضوء عروض أخرى تصل إلى 80%، ( في ضوء الاعتبارات السابقة وبخاصة بساطة التقانة المستخدمة وسهولة تسويق المنتج. مما سبق يتضح لنا مدى ضعف الفرضيات التي بنيت عليها مقاربة إنتاج الكعكة الصفراء بهذه الكيفية (إن كان هنالك أصلاً أي مقاربة لأنها لا تزال في طور الفكرة)؛ ومدى تآكل هامش ربح الحكومة الذي قد يصبح سالباً (باعتبار الكلف غير المباشرة وعوامل عدم التيقن)؛ وإن المقاربة الأمثل تقتضي الحصول على عروض تنافسية ( بطريقة العطاء المفتوح)؛ والتفاوض مع الشركة المرشحة ضمن مدى الكلفة من 100- 150 مليون دولار؛ وتعظيم حصة الأردن من العائدات السنوية الصافية بنسبة لا تقل عن 80% ثانياً: عطاء مشروع المفاعل النووي التجريبي ( أو البحثي) مثل المشروع السابق: تعود جذور هذا المشروع إلى عدد من الدراسات والخطط المنهجية والفعاليات قدمتها للحكومة، ونفذناها على أرض الواقع، في أوقات مختلفة، وأهمها:
  15. دراسة بعنوان " الحاجة إلى مركز نووي وطني للبحث والتدريب" قدمت عام 1982 لوزارة الصناعة والتجارة التي كانت معنية بملف الطاقة النووية.
  16. مشروع " الاستراتيجية الوطنية للطاقة النووية" قدمت للحكومة في العام نفسه، وتتضمن الأنشطة والمشاريع المطلوبة لدخول الأردن للعصر النووي بطريقة مدروسة.
  17. دراسة جدوى " إنشاء مركز نووي أردني للبحث والتدريب يضم مفاعلاً نووياً تجريبياً بقدرة 5 مليون واط"، قدمت عام 1985، لوزارة الطاقة والثروة المعدنية إثر إنشائها ونقل مهام الطاقة النووية إليها.
  18. مشروع " البرنامج النووي الأردني للمدة من 1986- 2000 " ؛ الذي تضمن جميع النشاطات النووية المتوقعة في المدى الزمني المذكور، ومنها مشروع المفاعل النووي.
  19. مشروع " الخطة الخمسية الأولى للطاقة النووية للمدة من 1987- "1992؛ التي شكل مشروع المفاعل النووي المحور الرئيس فيها.
  20. مشروع " المركز الوطني لبحوث التكنولوجيا النووية عام 1989"؛ الذي يركز على إنشاء المركز النووي والمفاعل في المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا.
  21. مشروع " الخطة الثانية للطاقة النووية للمدة 1993- 2000"؛ التي تضمنت إنشاء المقر الدائم لهيئة الطاقة الذرية ومختبرات المركز النووي الأردني والمفاعل التجريبي، في شفا بدران؛ بعد تعذر إنشاء المركز تحت مظلة المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا (وشاركني فيها رؤساء الأقسام في مديرية الطاقة النووية في حينه؛ والتي كانت قد توسعت لتواكب تطور العمل السريع).
    ولقد أقرت جميع هذه الدراسات والخطط والبرامج والمشاريع من الحكومة والوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ وبخصوص مشروع المفاعل النووي (وهو أهمها) تم الاتفاق مع الوكالة على تنفيذ المشروع بتمويل محلي ودعم علمي وفني من الوكالة؛ وجرى الاتفاق معها على برمجة المشروع لينجز على ثلاثة مراحل: المرحلة الأولى: تتضمن إنشاء مختبرات الكيمياء الإشعاعية ومختبرات فيزياء الإشعاع؛ التي تعد ضرورية لاكتساب الخبرة وتعظيم الفائدة من المفاعل. ولقد نفذت هذه المرحلة بنجاح، وتمكنا من تدريب عدد من الكوادر تدريباً متقدماً؛ ما جعل الوكالة تجيز الانتقال إلى المرحلة التالية، وترصد المخصصات اللازمة لها في موازنتها للأعوام 1995- 1996.
    المرحلة الثانية: تتضمن إنشاء المنظومة تحت الحرجة، للتدرب عليها قبل إنشاء المفاعل نفسه الذي يعد مصدراً كبيراً للنيترونات؛ ولقد قمنا بتصنيع المنظومة محلياً، وأوفدت الوكالة خبيراً لمعاينتها، والتحقق من مواءمتها للغرض منها، وسلامتها من الناحية الإشعاعية؛ ولقد أوصى الخبير باعتماده المنظومة، ونقل مخصصاتها لتمويل المرحلة الثالثة؛ التي تقرر إنجازها في المدة من 1997- 1999. المرحلة الثالثة: تتضمن إنشاء المفاعل نفسه والخلايا الحارة والمختبرات... ولقد خصصت له الوكالة مبلغ 2.4 مليون دولار، والباقي ( حوالي نفس المبلغ) تقدمه الحكومة الأردنية، وفق العرف المتبع في الوكالة، على شكل أرض ومبان وأثاث محلي. ولقد كان العمل يجري لتضمين المركز مفاعلًا نوويًا من نوع تريكا- 2؛ وهو أفضل أنواع المفاعلات النووية التجريبية، وبخاصة للدول الفقيرة، حيث يمكن تشغيل هذا المفاعل على قدرة منخفضة 100 ألف واط، في أغلب الأوقات، وحين تقتضي الحاجة (لغايات البحث العلمي المتقدم) يمكن رفع قدرته في زمن قصير جداً ( جزء من الثانية) إلى 1 مليون واط، أو أكثر؛ الأمر الذي يجنبنا دفع كلف كبيرة لشراء مفاعل يعمل بشكل مستمر بقدرة عالية. ولقد حضر الخبير يوم 22/3/1997 لمناقشة مبررات هذا الطلب، وقبل وصول الخبير بأسبوعين ( في 7/3/1997) نقلت من موقعي ( مديراً للطاقة النووية ومديراً للمشروع) إلى وظيفة مستشار؛ وتم تعليق المشروع. وفي عام 2000 أوفدت إلى فيينا لحضور المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتم بحث موضوع استئناف مشروع المفاعل، والاتفاق مع الوكالة على إعادة جدولة التنفيذ في عامي 2001- 2002، ومرة أخرى نقلت من وزارة الطاقة إلى سلطة المصادر الطبيعية، وتعلق العمل في المشروع. وعندما حضر مدير عام الوكالة الدولية إلى عمان، عام 2007، انتهزنا الفرصة لطرح فكرة إحياء المشروع، فأبدى استعداد الوكالة للنظر فيه، ولكن الموضوع لم يتابع. ولقد نبهت الوكالة رسمياً إلى أن التغيير المستمر حالت دون إنجاز المشروع في مواعيده. والحق أني ما كنت أشعر بأن ما يحصل كان توجهاً رسمياً وإنما من نوع الأفكار الجاهزة الضارة والتدخلات المربكة للعمل، من قبل من كان يسعى للاستحواذ على هذا الجهد، ولقد تراجع المشروع أمام مشروع لاستيراد مشروع مسارع نووي مستهلك، ومتقاعد في بلد المنشأ، ولا يزال لم يستكمل بعد، رغم مرور ما يقرب من 5 سنوات على الزمن المستهدف له. ولقد نوهت إلى هذه التدخلات عدة مرات في صحف ومواقع إلكترونية عديدة . الشاهد في هذه القصة أيضاً أن هنالك جهداً مؤسسياً، وخطة وطنية محكمة، لمشروع المفاعل التجريبي، ولدينا من الخبرة والإلمام بجوانبه المختلفة، ما يجعلنا نتوقف عند ما أعلن عن إحالة عطاء لإنشاء مفاعل نووي تجريبي بمبلغ 130 مليون دولار، كلفة مباشرة؟ زد على ذلك أن المفاعل الجديد سيبنى في حرم جامعة العلوم والتكنولوجيا التي تتوفر لديها الكثير من المختبرات والبنى التحتية التي يفترض أن توفر الكثير من الكلف؛ وحتى لو أغفلنا كل هذه الاعتبارات وافترضنا أن المشروع يكلف 130 مليون دولار، فإن السؤال الحاسم هو ما المبرر الاقتصادي والعلمي لدفع هذه الكلفة الباهظة؟ ماذا سوف نجني في المقابل؟ ولفهم هذا السؤال والجواب عنه نذكر أن مشروع المفاعل التجريبي له ثلاثة مبررات: المبرر الأول: تدريب المهندسين للعمل في برنامج المحطات النووية المفترض. والحق أن هذا البرنامج لا يزال في طور الدراسة، كما ذكرنا، وربما لا تثبت جدوى إنشاء هذا الكم الهائل من المحطات النووية التي تتطلب تدريباً كثيراً ومكلفاً. وحتى لو أقر البرنامج النووي بضخامته فإن المفاعل التجريبي سوف لا يغني عن التدريب في الخارج، لأن المحطات النووية تتطلب معايير أعلى من التدريب، الذي عادة ما يتم ( بل يجب أن يتم) في منشآت نوعية تملكها الشركات الموردة للمحطات النووية، وعلى حسابها وتحت مسئوليتها. المبرر الثاني: توفير متطلبات المملكة من النظائر المشعة المستخدمة في الطب: والحق أن استهلاك المملكة من هذه النظائر لا يزيد عن مليون دولار سنوياً؛ وهو ما لا يبرر دفع كلف كبيرة كهذه؛ سيما أن إنتاج هذه المواد يتطلب تجهيزات ومخابر غير المفاعل، تشكل الجزء الأكبر من كلفة إنتاجها، وتحصر الفائدة من المفاعل في عشرات ألوف الدنانير فقط ( كلفة تشعيع)؛ ثم إن هنالك إمكانية للاستفادة من مشروع السنكلترون، الذي كلف أيضاً مبالغ كبيرة ولا يزال غير مستغل، لإنتاج هذه المواد؛ كما أن محطات الطاقة المزمع إنشاؤها هي أقوى وأفضل مئات المرات لإنتاج هذه المواد (في حال إنشائها)! المبرر الثالث: إنتاج أشعة النيترونات لغايات البحوث العلمية؛ وكذلك فإن هذا المبرر يفقد جزءاً من أهميته إذا علمنا أن بإمكاننا إضافة خط جديد لإنتاج هذه الأشعة في سنكلترون علان. ولقد عملنا سابقاً على إنشاء خط لإنتاج النيترونات من مسارع الجامعة الأردنية بدعم من الوكالة الدولية، ويمكن تحريك المشروع وكفى؛ القصد أنه حتى هذا المسارع الصغير القديم ( الموجود في الجامعة الأردنية) يمكن توضيبه وإنتاج النيترونات منه، بكلفة بسيطة ( عشرات ألوف الدنانير) بدلاً من إنفاق عشرات الملايين لإنشاء مفاعل بهذه الضخامة. زد على ذلك أن كل محطة من محطات الطاقة النووية المزمع إنشاؤها عبارة عن مصدر للنيترونات أقوى مليون إلى مئة مليون مرة من المفاعل التجريبي المقترح!
    مما سبق يتضح لنا:
  1. مدى الضرر الذي أحدثه تأخير هذا المشروع الحيوي، الذي كنا نخطط لينجز في الوقت المناسب، قبل زمن طويل من إنشاء أي محطة نووية، وبتمويل من الوكالة الدولية وتحت إشرافها، وبما يفيد في توفير ما يزيد عن مئة مليون دولار
  2. أن المشروع بهذه الكلفة غير مبرر اقتصادياً وحتى علمياً، وسوف يظل يجر خسائر ( منظورة وغير متوقعة).
  3. وحتى لو افترضنا جدلاً أنه مبرر بهذه الكلفة فلقد كان الأجدى إتباع مقاربة في التنفيذ تتضمن توفير الحد الأدنى من المتطلبات والتجهيزات البحثية في البداية، ثم يصار إلى إضافة متطلبات جديدة حسب التطور الزمني لخبراتنا وحاجاتنا، وهو الأسلوب المتبع في جميع دول العالم؛ الأمر الذي يفيد في عدم الالتزام بالمبلغ كاملاً من الآن، وعدم تحمل كلف رأس المال وحتى وقت طويل في المستقبل.
  4. وحتى لو تجاوزنا كل الاعتبارات السابقة: فإن تكرار المشاريع المتشابهة ( كالمفاعل قيد الدرس ومحطات الطاقة النووية الكثيرة والمسارع النووي الصغير والسنكلترون) يجعلها تحجب بعضها بعضاً؛ بمعنى أن هنالك وفرة لإمكانيات إنتاجية كثيرة وكبيرة ستظل غير مستغلة ( في كل مشروع من هذه المشاريع) بسبب استخدام المفاعل التجريبي بدلاً منها؛ وهو ما يتنافى مع اعتبارات إدارة الموارد وبخاصة في بلد صغير بحاجة لكل مورد.
  5. إن الأمر يقتضي اتباع مقاربة جديدة تتمثل في خيارين اثنين: الخيار الأول: إعادة النظر في المشروع، وضمن كلفة بحدود 10- 15 مليون دولار؛ وتخطيط مراحل التنفيذ حسب الحاجة لتفادي دفع كلف زائدة مسبقاً، وقبل الحاجة إليها (وحتى لو تم تعويض الشركة المتعاقد معها بسبب هذا التغير). الخيار الثاني: الرجوع للوكالة الدولية لاستئناف المشروع القديم المدعوم منها؛ ولا ضير في هذه الحالة من أن يصار إلى مفاوضة الشركة التي أحيل عليها العطاء من أجل شراء المفاعل منها ( كنوع من الترضية)، وهو أسلوب متبع في الوكالة ( أن تختار الدولة المعنية الجهة الموردة). وفي هذه الحالة سيقتصر التمويل من الجانب الأردني على 3- 5 مليون دولار مبان وتجهيزات.
    ثالثاً: مشروع دراسة جدوى المحطات النووية مع أن كلفة هذا العطاء صغيرة نسبياً (11 مليون دولار) إلا أنها استمرار لنفس المقاربات التي تؤدي إلى تضخيم الانفاق، للأسباب التالية:
  1. أن هذا العمل من النوع الاستشاري، الذي يجب أن تضطلع به الدولة أو السلطة المعنية بالدور الأهم، وليس العكس.
  2. أنه لا يتضمن تقنيات أو خبرات نوعية حصرية على الجهة أو الجهات الموردة لنوع الخدمة.
  3. أننا كبلد ومؤسسات وأفراد لدينا من الخبرات النوعية ( التراكمية والطويلة)، ما يمكننا من تعظيم المساهمة الوطنية في مجال الخدمة المطلوبة. فلقد بدأ اهتمامنا بموضوع استخدام المحطات النووية: في عام 1982 ضمن الاستراتيجية المنوه عنها سابقاً؛ وفي عام 1983 ضمن ورقة " الطاقة والخيار النووي"؛ وفي عام 1985 ضمن ورقة " الطاقة النووية في الأردن "؛ وفي عام 1988 ضمن ورقة بعنوان " المتطلبات اللازمة لمحطة نووية أردنية لتوليد الكهرباء". ولقد أسفرت هذه الدراسات، التي كان لي شرف إعدادها أيضاً، عن إنشاء عدة مشاريع في مجال اليورانيوم ومشروع تخطيط برامج الكهرباء الذي نفذ بالتعاون بين وزارة الطاقة وسلطة الكهرباء الأردنية. وأسفر عن تصور واضح ضمن استراتيجية وزارة الطاقة والثروة المعدنية لدخول عصر توليد الكهرباء بالطاقة النووية، دخولاً رصيناً ومدروساً، قبل التطورات السريعة الأخيرة التي تلت عام 2008. الشاهد في هذه القصة أيضاً أن هنالك جهداً وطنياً مؤسساً، وأن موضوع توليد الكهرباء بالطاقة النووية مكون أساس في استراتيجية الوزارة المعنية الأولى بهذا القطاع في المملكة؛ وكان أجدر أن يعتمد لتلافي الضبابية التي خيمت على الموضوع منذ عامين، والتي انعكست بوضوح في تباين التصريحات (في وسائل الإعلام) بشأن طبيعة المشروع ومكوناته، من حيث:
  4. عدد المفاعلات والمحطات النووية التي نرغب في اقتنائها ( 1 أم 2 أم 3 أم 4..).
  5. حجوم المفاعلات ( 700 أم 800 أم 1000 مليون واط...).
  6. كلفة المحطات (1000 أم 2000، أم 2500 مليون دولار للمحطة الواحدة؟).
  7. نوع الاستخدام ( للحمل الأساس أم للاكتفاء الذاتي أم للتصدير).
  8. نوع الوقود ( عادي أم مخصب).
  9. مكان التنفيذ ( العقبة أم وادي عربة أم الخربة السمراء ... أم غيرهما).
  10. مصدر مياه التبريد ( دورة مغلقة أم مياه العقبة المغلقة أم قناة البحرين غير المؤكدة.
  11. غايات المحطات النووية المنشودة ( توليد كهرباء وماء، أم كهرباء وحسب، ومن أين).
  12. الوقود المستهلك ( هل سنصدره أم نخزنه محلياً، وهل هنالك دولة تقبل استيراده، وبأي ثمن).
  13. كيف نحل مشكلة آلاف أطنان النفايات المشعة التي تتولد من هذا البرنامج الضخم؟
  14. هل سنصدر للغير سلعة نظيفة هي الكهرباء ونحتفظ نحن بالنفايات المشعة الخطرة، ونعيش هاجسها المرعب لاف السنين القادمة؟
  15. إلى أي مدى يساهم كل مكون من مكونات البرنامج النووي ( المفاعلات ومحطات الطاقة ودورة الوقود) في تركيز التلوث الإشعاعي في ظروف التشغيل الاعتيادي في المملكة وعبر الحدود؟
  16. هل عندنا تصور للتصدي للحوادث الذرية المدمرة لا سمح الله؟ وكيف تنظر الدول المجاورة إلى هذه القضية؟
  17. ومن أين سنوفر عشرات مليارات الدنانير في مشروع تكتنفه المجازفات وتضمحل فيه مغريات استقطاب رؤوس المال؟
  18. وأيها أجدى للدولة الاستثمار في مصادر الطاقة البديلة أم خوض غمار تجربة يكتنفها الغموض والمجازفات التي تزداد ( أشبه بالنمط الأسي) بازدياد عدد مكونات البرنامج وحجومها...؟ وأسئلة أخرى كثيرة وكبيرة، كان يجب الإجابة عليها مسبقاً (من جانبنا): لتشكل الشروط المرجعية التي تحكم عمل الشركة المحال عليها عطاء الدراسة، وليست مشكلات ننتظر من الشركة دراستها والإجابة عنها نيابة عنا.. لأن من شأن عدم الوضوح فيها أن يدفع أي جهة استشارية يطلب منها إعداد دراسة جدوى، لمشروع عائم، إلى طلب كلف مضاعفة؛ ولقد كان أجدر عدم القفز عن دور وزارة الطاقة وخبرتها العريقة لجهة اختصار الوقت وخفض الكلف وترشيد التنفيذ بما يتواءم مع حاجاتنا الحقيقية .. وربما أو لعله لم يفت الوقت بعد! والحق أننا بهذه التصورات والأفكار السريعة، التي لا زلنا نناقشها منذ أشهر، ندفع الكلف مضاعفة أربع مرات: مرة لأننا لم نستغل الفرص لتنفيذ المشاريع في وقتها، وقبل وقت كاف لنكتسب الخبرة قبل الدخول في المشاريع الكبرى، والخسارة هنا لا تقدر بثمن. ومرة ثانية لأننا نخسر دعماً مباشراً وشرعية من الوكالة الدولية التي هي مطلوبة في جميع الأحوال سواء كانت المشاريع مدعومة منها أو غير مدعومة؛ ومرة ثالثة: لأننا نتجاوز جهود مؤسسات وطنية امتدت ثلاثة عقود كاملة وكلفت الدولة مبالغ كبيرة كلف أيدي عاملة وتدريب وبرمجيات، وذهبت سدى. ومرة رابعة: لأننا ندفع كلفاً باهظة، لقاء التردد وعدم الوضوح.