تخطَّ إلى المحتوى
الدكتور علي المر
جميع الفيديوهات

{وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ}

تاريخ النشر:
17 أكتوبر 2026
التصنيف:
محاضرة

محاضرة للأستاذ الدكتور علي المر في الجمعية الأردنية لإعجاز القرآن والسنة، يتناول فيها قوله تعالى: {ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون * لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون}، فيشرح معاني ألفاظها، ويربطها بما كشفه العلم الحديث عن ممرات الإطلاق والدخول، والمسارات المنحنية للأجسام في الفضاء، والظلام الدامس خارج الغلاف الجوي.

النص المكتوب

مقدم المحاضرة: الجمعية الأردنية لإعجاز القرآن والسنة: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا} [النمل: 93].

الأستاذ الدكتور علي المر صاحب سيرة ذاتية زاخرة بالإنجازات؛ فهو أول مهندس نووي في الأردن، ويُعدّ من أبرز مؤسسي البرنامج النووي وقياداته. وُلد في الخليل بفلسطين عام 1949، وحصل على البكالوريوس في الهندسة الكهربائية عام 1974، وعلى الماجستير في الهندسة النووية من باكستان عام 1976، وعلى الدكتوراه في فيزياء الإشعاع من معهد الطاقة الذرية في بولندا عام 2002.

عمل مهندساً نووياً وكهربائياً في ليبيا من عام 1974 حتى عام 1979، ثم التحق بوزارة الصناعة الأردنية عام 1980، وعمل رئيساً ومديراً لإدارة الطاقة النووية في الأردن حتى عام 1997، ثم مستشاراً للطاقة النووية في وزارة الطاقة والثروة المعدنية من عام 1997 حتى عام 2008، كما عمل مديراً لمشروع اليورانيوم في سلطة المصادر الطبيعية من عام 2005 حتى عام 2008.

له إسهامات علمية وبحوث ومقالات متعددة في مجالات الطاقة النووية وتطبيقاتها السلمية واليورانيوم، ومن مؤلفاته: «الإشعاع البيئي وآثاره الصحية»، و«الأخطار النووية بعد فوكوشيما»، و«الطاقة النووية: تعريفها، أهميتها، استخداماتها»، وغيرها من المؤلفات. وقد كان نائباً لرئيس الجمعية الأردنية لإعجاز القرآن والسنة في الدورة السابقة، وهو مشارك فاعل في نشاطاتها وفعالياتها، فليتفضل مشكوراً مأجوراً.

د. علي المر: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله ومن والاه، أما بعد:

فإني أتوجه بالشكر الجزيل إلى الأخ الكريم المهندس عبد الله بسيوني على هذا التقديم الطيب، كما أتوجه بالشكر إلى هذه الجمعية الرائدة في مجال العمل الدعوي والعلمي في القرآن الكريم، والتي تعمل حقيقةً بطاقة كبيرة جداً مقارنةً بالإمكانيات المالية والوظيفية المتاحة لها، فلهم منا جزيل الشكر.

ومن ثمار هذا العمل أن التقينا بهذه الوجوه الطيبة التي، ما شاء الله، تنشرح لها النفس حقاً؛ فالمرء حين يعيش مع ثلة مثل هؤلاء الإخوة الكرام يشعر بالسعادة والنشوة، ويشعر بأن الأمة فيها خير. فالعلماء مصابيح الهدى، وحيثما سار العالِم أو المتعلم، وأقصد العلوم الشرعية، فهو كالمصباح يضيء أينما ذهب وحيثما جاء. فالنور يشع من كل إنسان في قلبه شيء من القرآن الكريم، وفي عقله شيء من العزم والإصرار على تعلّم القرآن وتعليمه.

أيها الإخوة، محاضرتنا، كما ذكر الأخ الكريم، حول قوله تعالى: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ}، ولها في الحقيقة تكملة: {لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ} [الحجر: 14-15]. فهي تُبرز نوعاً من الإعجاز، أو بالأحرى توضح الإعجاز بمعنييه الشاملين اللذين تقصدهما هذه الآية الكريمة المكونة من خمس إلى ست كلمات، وسنتوقف عندها بشيء من التفصيل.

أيها الإخوة، إن مشكلتنا، أو المشكلة التي جعلتهم يحاربون هذا الدين منذ نزول القرآن الكريم في مكة المكرمة، أن هذا القرآن {يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9]. وهذه حقيقة يعرفها العالِم والجاهل، بل يعرفها حتى أغبى سياسي في العالم اليوم: أن القرآن أهدى كتاب، وأنه يهدي للتي هي أقوم. فهو خير، وهو علم، وهو إعجاز، ولكنهم جعلوه مشكلة يجب القضاء عليها، وهذا هو العناد بعينه. وقالوا: {وَالْغَوْا فِيهِ} [فصلت: 26]، أي: أكثِروا من اللغط حوله، وشوِّشوا عليه.

إن أول ما يصطدمون به في هذا القرآن حقيقتُه النورانية العلمية؛ فهو كلام رب العالمين، إذا تكلم عن شيء وصفه على حقيقته: تكلم عن النجوم فوصفها على حقيقتها، وتكلم عن الأرض فوصفها على حقيقتها، وتكلم عن كل شيء فوصفه على حقيقته. ثم إن الغريب فيه يا إخوة أن فيه كثافة كبيرة جداً من المعلومات؛ فمهما قرأت فيه ستجد فيه كشوفاً جديدة، وتجده صالحاً لكل زمان.

{قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ} [الإسراء: 88]، هذا هو التحدي. فلأنهم أنكروه جاءهم التحدي؛ فكل كلمة في القرآن تحدٍّ، ولا تستطيع أن تغير كلمة من موضعها، ولا حرفاً مكان حرف، وهذا هو السر.

{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} [الإسراء: 89]. واسمعوا هنا المعاندة الكبرى: {وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا} إلى قوله تعالى: {أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ ۗ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا} [الإسراء: 90-93].

وجاء التحدي: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ} [الحجر: 14-15].

وهنا يظهر التوافق المدهش بين الألفاظ القرآنية والحقائق العلمية المكتشفة حديثاً:

«فَظَلُّوا»: من ظلَّ يظَلُّ، ونحن نستخدمها في حياتنا اليومية استخداماً خاطئاً؛ فـ«ظلَّ» في اللغة الصحيحة تعني العمل في النهار، و«باتَ يبيتُ» تعني العمل في الليل. فـ«ظلَّ» تدل على ما يقوم به الإنسان من عمل مستمر في النهار، لأن رحلتنا في الفضاء ينبغي أن تكون في النهار حتى نرى ما فيه.

«يَعْرُجُونَ»: أجمعت التفاسير القديمة كلها على أن معناها: يذهبون في صعود، أي يصعدون.

«سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا»: من السكر والغشاوة، أي عَمِيَت ومُنعت من النظر، وأصل معناها الحبس والمنع.

«مَسْحُورُونَ»: أي إن ما نراه ليس حقيقة بل سحر، ومعناها الخداع والتخييل.

ونقف هنا مع الشيخ الشعراوي والدكتور زغلول النجار؛ فقد قال الشيخ الشعراوي إن العروج في أصل اللغة هو الصعود في خطوط منحنية غير مستقيمة، بسبب قوة الجاذبية واختلاف الضغط وحركة الأجرام. وأما «سُكِّرت أبصارنا» فلأن ضوء النهار ينتج عن تشتت أشعة الشمس في الغلاف الجوي، فإذا تجاوز الإنسان الغلاف الجوي انفصل عن هذه الركيزة، ودخل فجأة في ظلام كوني دامس وسواد حالك، رغم وجود الشمس.

وللإعجاز في هذه الآية ثلاثة محاور:

المحور الأول، أبواب السماء: كان المفهوم القديم أن الفضاء مفتوح بالكامل، لكن الكشوف العلمية أثبتت أن الفضاء تحكمه قوانين، ولا يمكن اختراقه إلا عبر مسارات ومنافذ محددة بدقة تُسمى «ممرات الإطلاق والدخول» (Launch and Re-entry Corridors)، فإن لم تسلك المركبة هذه الأبواب فإما أن ترتد وإما أن تحترق.

المحور الثاني، «يعرجون»: أثبتت الفيزياء الفلكية أنه لا توجد حركة مستقيمة في الكون، وأن كل جسم يسير في مسار منحنٍ أو متعرج بفعل الجاذبية.

المحور الثالث، «سُكِّرت أبصارنا» والظلام الدامس: خارج الغلاف الجوي لا يوجد تشتت للضوء، فيرى رائد الفضاء ظلاماً دامساً شديد السواد، وتظهر الشمس كأنها شعاع ليزر مستقيم، فيصاب بصدمة بصرية كأن عينيه قد سُدَّت أو كأنه قد سُحر.

أما التطبيق العملي في الصواريخ والمركبات الفضائية، فعند الانطلاق يرتفع الصاروخ عمودياً لثوانٍ ليخترق طبقة الهواء الكثيفة بأقصر مسافة، ثم يُعطى أمراً بإمالة رأسه لفتح باب العروج وتحقيق التوازن بين الجاذبية وضغط الهواء. وعند الهبوط يجب أن تدخل المركبة بزاوية دقيقة جداً تتراوح بين 5.5 و7.5 درجات؛ فإن كانت الزاوية أقل من ذلك ارتدت المركبة وضاعت في الفضاء، وإن كانت أكثر عمودية ارتفعت الحرارة إلى 7000 درجة مئوية واحترقت المركبة بالكامل.

وخلاصة القول: إن السفر في السماء يكون عروجاً لا في خطوط مستقيمة، وإن السماء تحكمها قوانين، ولا يمكن السفر فيها إلا بفتح أبواب آمنة، وإن ما قاله القرآن قبل 1400 سنة يطابق ما يكتشفه العلماء اليوم. والحمد لله رب العالمين.