تخطَّ إلى المحتوى
الدكتور علي المر
جميع الفيديوهات

إعجاز الحديث الشريف والذكاء الاصطناعي - د. م علي المر – الجمعية الأردنية لإعجاز القرآن والسنة

تاريخ النشر:
29 يناير 2024
التصنيف:
محاضرة

محاضرة للدكتور المهندس علي المر، نائب رئيس الجمعية الأردنية لإعجاز القرآن والسنة وخبير الطاقة النووية، يناقش فيها العلاقة بين الإعجاز العلمي في الحديث الشريف والتطورات الحديثة في الذكاء الاصطناعي وتقنيات الاتصال.

تتناول المحاضرة حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الإنس، ويكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله، ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده»، وتستعرض مواقف العلماء من هذا النوع من الأحاديث، والمؤيدات الشرعية من القرآن والسنة، إلى جانب أمثلة من التطور التقني المعاصر مثل الأحذية الذكية، والشرائح الإلكترونية، والأجهزة القابلة للارتداء، والوشوم الإلكترونية.

كما يتناول الدكتور علي المر تطور تقنيات الاتصال والحوسبة من الصمامات الإلكترونية وأجهزة الحاسوب الأولى إلى الشرائح الدقيقة والذكاء الاصطناعي، موضحاً كيف جعل هذا التطور بعض المعاني الواردة في الحديث الشريف أقرب إلى الفهم المعاصر، مع التأكيد على أهمية البحث العلمي، والقراءة، والتفكر، والحذر من الاستخدامات السلبية للتقنيات الحديثة.

المحاضرة مقدمة ضمن فعاليات الجمعية الأردنية لإعجاز القرآن والسنة.

النص المكتوب

الدكتور المهندس علي المر أحد الأعضاء المؤسسين للجمعية الأردنية لإعجاز القرآن والسنة، ويعمل حالياً نائباً لرئيس الجمعية، وهو متخصص وخبير في مجال الطاقة النووية. فنرحب بالدكتور أجمل ترحيب، وأهلاً وسهلاً به. بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. الحمد لله الذي جمعنا على هذه المائدة، مائدة العلم الشرعي وعلوم الدين وعلوم القرآن. هذا العلم الذي يحرك العالم اليوم. هناك فئة مؤمنة قليلة تحمل هذا الدين، وهناك من يريد أن يطفئ هذا النور حتى لا ينتشر في العالم، لأنه إذا انتشر استيقظت البشرية. والحمد لله أن فئة مؤمنة، وإن كانت قليلة، استطاعت بتوفيق الله سبحانه وتعالى والتزامها بدينها أن تحرك العالم. ندعو الله عز وجل أن ينصرهم، وأن يضيء العالم بهم وبعلمكم جميعاً. أشكركم على هذا الحضور، وأعتبروني قد سلمت على كل واحد وواحدة منكم، فمرحباً بكم وأهلاً وسهلاً في جمعيتنا. منذ نحو سنة 1976 بدأنا البحث في علوم القرآن الكريم وإعجازه. وكان قد وقع بين يدي كتاب للدكتور مصطفى محمود، رحمه الله، بعنوان «القرآن: محاولة لفهم عصري». وكان هذا الكتاب في الحقيقة مما أحدث تغيراً في نفسي باتجاه هذا المبحث الكبير. وهذا البحث لا ينتهي. لو ظل الإنس والجن يبحثون في القرآن منذ خلق الله الكون إلى نهايته فلن يصلوا إلى نهاية ما فيه. وكل يوم نقرأ القرآن فنكتشف شيئاً جديداً. وهذا من أسرار ما يسمى بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم؛ فالقرآن يخاطب كل إنسان، من الطفل إلى عالم الفضاء والذرة، وكلٌّ بحسب عقله. يخاطب المرأة والرجل، والبنت والشاب، ويخاطبك اليوم ويخاطب من يأتي غداً. إنه كتاب معجز. ومن فضل الله سبحانه وتعالى أن سخّر أخانا المهندس حاتم لفكرة إنشاء هذه الجمعية، وقد شرفني الانتساب إليها منذ نشأتها، وكنت من المؤسسين فيها، وأنا الآن نائب للرئيس. هذه المحاضرة سبق أن ألقيتها قبل نحو عشر سنوات في يوم علمي بإحدى المدارس عن الذكاء الاصطناعي. وعندما رجعت إليها في اليومين الماضيين لم أغير في مضمونها إلا بعض التصحيح اللغوي، لأن كثيراً مما كنا نتوقعه قبل عشر سنوات أصبح اليوم حقيقة. وأحب أن يسجل الحضور محاور البحث حتى يتابعوا معنا أين وصلنا في المحاضرة. عندنا مقدمة وتعريف، ثم الذكاء الاصطناعي في الحديث الشريف، ثم آراء العلماء قديماً وحديثاً، ثم المؤيدات الشرعية، ثم الشواهد العلمية المادية، ثم النتيجة. ومن المهم أيضاً أن نحفظ السنة الكريمة وكتب التفسير، وألا نطعن في علمائنا السابقين لمجرد أن بعض ما كتبوه قبل مئات السنين قد يحتاج اليوم إلى مزيد من الفهم أو التفصيل. من الطبيعي أن تختلف بعض صور الفهم مع تطور المعرفة، لكن كتب العلماء تحمل ثروة هائلة وفتوحاً عظيمة في علوم الدين. نأتي إلى تعريف الذكاء الاصطناعي. له تعريفات كثيرة، ولكنني أختصره بأنه القدرة التي تبديها الآلة أو الآلات لأداء عمل ما كما يريده الإنسان. فالآلة قد تكون قدرتها صغيرة، وقد تكون كبيرة، وقد تتفوق على الإنسان في السرعة وفي جمع البيانات وإصدار النتائج، وإن كان الإنسان في النهاية هو الذي صنعها. وقيل إن الذكاء الاصطناعي علم وهندسة صناعة الآلات الذكية، وإنه تطوير لشبكات عصبية صناعية تحاكي عمل الدماغ البشري. وهنا نعود مرة أخرى إلى شيء خلقه الله سبحانه وتعالى، ويحاول الإنسان أن يقلده. ومن هذه القدرات: التعلم، والاستنتاج، ورد الفعل، وفحص البيئة واتخاذ إجراءات تزيد من فرص النجاح، والوصول إلى المعلومات بسرعة فائقة، والتعرف على الصور والوجوه، وفهم الكلام، والترجمة الفورية، وقراءة النصوص واللافتات، وتصفح الكتب وتلخيصها. يمكن مثلاً لنظام ذكي أن يلتقط صورة لشخص في الشارع، ويتعرف إليه، أو أن يستمع إلى حديث بالعربية ثم ينقله فوراً إلى لغة أخرى. ولكن مع الفوائد هناك جوانب مخيفة يجب الانتباه لها. من ذلك انتهاك الخصوصية؛ فقد تصل التقنيات إلى ملابس أو أجهزة أو شرائح تحمل وسائل للرصد والتسجيل ونقل المعلومات دون أن يشعر الإنسان. وهناك أيضاً تخوفات من أن تتطور الأنظمة إلى درجة تعيد فيها تصميم نفسها أو تسهم في إنتاج أنظمة أخرى بدرجة يصعب التحكم بها. كما أصبح من الممكن أن نرى صوراً وأصواتاً مصطنعة تبدو حقيقية، فينخدع بها الناس. إذن للذكاء الاصطناعي إيجابيات وسلبيات، والواجب أن ننتبه وأن نسخر هذه التقنيات لخدمة الإنسان وديننا ومجتمعاتنا، لا أن نترك غيرنا وحده يحدد اتجاهها. ننتقل الآن إلى الإعجاز العلمي في الحديث الشريف. في السنة الشريفة أحاديث تتضمن معاني لم تكن مألوفة في عهد النبوة وعصور الإسلام الأولى، أو تنبئ بأحداث مستقبلية لم يكن البشر يعرفون صورتها. وقد تلقاها الصحابة الكرام رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم وصدقوها ورووها، ثم تناقلها المسلمون جيلاً بعد جيل. وقد تظل بعض المعاني وراء أستار الغيب زمناً طويلاً، ثم مع تطور وسائل البحث العلمي واكتشاف الإنسان لظواهر جديدة في المادة والحياة يبدأ في رؤية ما يمكن أن يتفق مع بعض تلك النصوص. وفي هذه المحاضرة نتناول الحديث الشريف: «والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الإنس، ويكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله، ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده». لو سمع إنسان هذا الكلام قبل قرون لربما استغربه: كيف يتكلم شراك النعل؟ وكيف يتحدث السوط؟ وكيف يخبر الفخذ الإنسان بما وقع بعده؟ لكن مع مرور الزمن وتطور التقنية أصبحت بعض الصور أقرب إلى الفهم. ويتضمن الحديث ثلاثة أمور كانت خارقة للمألوف في زمن النبوة: كلام الحيوان، وكلام الجماد، وكلام المادة الحية أو اتصالها بالإنسان بطريقة دقيقة. أما تكلم الحيوان فيحتاج إلى محاضرة مستقلة، وربما يكون الأنسب أن يتحدث فيه متخصص في سلوك الحيوان. وسنركز هنا على كلام المادة الجامدة والمادة الحية. أما مواقف العلماء تجاه هذه الأحاديث، فيمكن تقسيمها إلى عدة اتجاهات. فمنهم من آمن بها كما وردت، وأيقن أن معانيها ستتجلى مع مرور الزمن، ودعا إلى إعمال العقل والبحث فيها والاستفادة منها في بيان إعجاز النبوة. وهذا هو المنهج الذي أراه صحيحاً: إذا وجدت شيئاً في القرآن أو السنة لا أفهمه، أقول إنني لم أفهمه بعد، لا أن أشكك في النص لأن عقلي لم يصل إلى تفسيره. وهناك من ضاقت عقولهم عن التصديق ببعض هذه الأمور فكذبوها أو شككوا فيها واتهموا السلف بالجهل والخرافة، كما وقع عند الحديث عن بعض النصوص مثل حديث الذبابة. وهناك من آمن بها، لكنه دعا إلى عدم الخوض في البحث عن معانيها. وأنا أرى أن هذا يخالف منهج البحث والتفكر؛ فالأصل أن ينظر الإنسان ويتأمل، باستثناء ما أخبرنا الله أن علمه خارج قدرتنا. وهناك اتجاه رأى أن هذه الأحداث ستقع فقط عند اقتراب الساعة حين تتغير بعض نواميس الكون، وأن الله الذي أنطق كل شيء سينطقها حينئذ، ولذلك اعتبروها خارج الإدراك البشري الحالي. وهناك اتجاه آخر حاول تفسيرها على ضوء ما وصل إليه العلم المعاصر. وهنا يجب الحذر؛ لأن الإنسان إذا جزم بأن معنى الحديث هو اختراع معين ثم تغير العلم مستقبلاً فقد يقع في الخطأ. لذلك نقول: هذا احتمال أو وجه من وجوه الفهم، ولا نجزم بأن هذا هو المعنى النهائي. ومن الأمثلة ما ذكره بعض الباحثين من أن المقصود قد يكون أجهزة اتصال أو تسجيل أو تجسس، أو أن العلم قد يكتشف أن بعض المواد تخزن معلومات يمكن استخراجها مستقبلاً. كما ذكر الشيخ ابن باز رحمه الله، في جوابه عن الحديث، احتمال أن يجعل في السوط أو العصا شيء يحفظ كلام الأهل وينقل الأخبار، مثل أجهزة التسجيل. ننتقل إلى المؤيدات الشرعية. يقول الله سبحانه وتعالى عن السماء والأرض: ﴿فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين﴾. فهذا نص يثبت إمكان خطاب المادة واستجابتها. وقال تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم﴾. فهذه المخلوقات أمم، ولها أنماط من التواصل والتفاهم. وقال سبحانه: ﴿تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾. فكل شيء يسبح بحمد الله، وإن كنا لا نفقه هذا التسبيح. ومن واقع تخصصي في الهندسة النووية، كنا في السابق نتحدث عن الذرات بوصفها الوحدات التي تتكون منها المادة. وهناك اليوم نظريات في الفيزياء تتحدث عن أوتار واهتزازات وطاقة. وكل حركة واهتزاز يقودنا إلى التفكير في طبيعة الكون وما فيه من نظام. ويقول الله تعالى: ﴿والسماء والطارق * وما أدراك ما الطارق * النجم الثاقب﴾. والعلم اكتشف نجوماً نابضة تصدر أنماطاً متكررة من الإشارات. وهناك أيضاً نقاشات علمية حول بقاء الموجات والأصوات وانتشارها وضعفها مع الزمن، وما إذا كان بالإمكان التقاط آثارها مستقبلاً بتقنيات شديدة الحساسية. وقال سبحانه عن داود عليه السلام: ﴿يا جبال أوبي معه والطير﴾. فلا ينبغي أن نقرأ هذه النصوص كأنها حكايات عابرة؛ بل يجب أن نتأمل فيها. وفي قصة سليمان عليه السلام: ﴿قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون﴾. وهذا يدل على وجود تواصل في عالم النمل. والعلم الحديث يبحث بالفعل في وسائل تواصل الحشرات والكائنات المختلفة. وكذلك الهدهد الذي قال لسليمان: ﴿أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين﴾. وفي آخر الزمان: ﴿وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم﴾. وكذلك شهادة الجلود يوم القيامة: ﴿وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء﴾. هذه النصوص كلها تدعونا إلى التفكير في مفهوم النطق والتواصل والإدراك في عالم المادة والحياة. وقد بدأنا في العصر الحديث نفهم جوانب أكثر من الكون والمادة، وهذه الاكتشافات ينبغي أن تدفعنا إلى مزيد من البحث لا إلى الغرور. ثم نأتي إلى الأدلة الواردة في السنة والسيرة. ورد في حديث جابر رضي الله عنه أن امرأة من الأنصار قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا أجعل لك شيئاً تقعد عليه، فإن لي غلاماً نجاراً؟ فصُنع له المنبر. فلما جلس النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، حنّ جذع النخلة الذي كان يخطب عنده، حتى نزل النبي صلى الله عليه وسلم إليه وضمّه فسكن. المهم هنا ألا نقرأ القصة قراءة سطحية، بل نتأمل معناها ودلالتها. وورد كذلك في الروايات تسبيح الحصى في يد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم في يد أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم. وورد عن الصحابة أنهم سمعوا تسبيح الطعام، وأن الماء نبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض المواقف. وهذه النصوص ينبغي أن تزيد الإنسان إيماناً وتدفعه إلى البحث والتفكر. وهنا أصل إلى قضية القراءة والعلم. أول كلمة نزلت من القرآن كانت: ﴿اقرأ﴾. ومع ذلك نحن أمة ضعفت فيها القراءة كثيراً. وأذكر أرقاماً متداولة عن فروق كبيرة بين معدلات القراءة في العالم العربي وبعض المجتمعات الأخرى. سواء اختلفنا في دقة الأرقام، فالمشكلة نفسها واضحة: نحن بحاجة إلى القراءة والعلم والبحث. لماذا كانت أول كلمة: اقرأ؟ لأن العلم أساس النهضة. لا نستطيع أن ننهض بمجرد العاطفة. لا بد من قراءة وتعلم وبحث ومختبر وتجربة. ثم نأتي إلى قصة الذئب. جاء في الروايات أن ذئباً أخذ شاة من راعٍ، فاستخلصها الراعي منه. فأقعى الذئب وقال له كلاماً، فتعجب الرجل من ذئب يكلمه بكلام الإنس. فقال له الذئب ما معناه: ألا أخبرك بأعجب من ذلك؟ محمد صلى الله عليه وسلم بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق. فذهب الراعي إلى المدينة وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر أن ينادى: الصلاة جامعة، ثم طلب من الراعي أن يخبر الناس بما حصل. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الإنس، ويكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله، ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده». وعندما نقرأ هذا الحديث اليوم في ضوء التقنيات الحديثة نجد أن الصورة أصبحت أقرب بكثير إلى الإدراك مما كانت عليه قبل قرون. وهذه النصوص بالنسبة لي ليست مجرد مادة للقراءة، بل دعوة إلى البحث العلمي. ينبغي للفيزيائي والمهندس والطبيب والباحث وغيرهم أن يضعوا القرآن والسنة في أذهانهم أثناء البحث، لا بمعنى فرض نتيجة مسبقة على العلم، وإنما بمعنى التأمل والسؤال والبحث. ثم نأتي إلى الشواهد العلمية المادية. إذا كنا نتحدث عن شيء يخاطب الإنسان، فنحن نتحدث عن تقنيات اتصال. وهذه التقنيات مرت بتطور كبير جداً خلال ما يزيد على قرن. في المرحلة الأولى كانت هناك الصمامات الكهربائية المفرغة، وهي أوعية زجاجية كبيرة نسبياً تحتوي أقطاباً كهربائية وتستخدم للتحكم بمرور التيار. وكانت الأجهزة كبيرة جداً. ومن الأمثلة الحاسوب المبكر الشهير ENIAC الذي كان يحتل مساحة ضخمة، ويزن عشرات الأطنان، ويستخدم آلاف الصمامات الإلكترونية وآلاف التوصيلات. ثم جاءت المرحلة الثانية مع أشباه الموصلات والسيليكون والترانزستور. وأصبح من الممكن أن تؤدي قطعة صغيرة جداً وظائف كانت في السابق تحتاج إلى أجهزة ضخمة. ثم تطورت الدارات المتكاملة والشرائح الإلكترونية حتى وصلنا إلى الهواتف المحمولة والأجهزة الصغيرة التي تحتوي ملايين أو مليارات العناصر الإلكترونية. والنتيجة أن الجهاز الذي كان يحتاج غرفة كاملة أصبح من الممكن أن يوضع في اليد، ثم في الساعة، ثم في الملابس، وربما في أشياء أصغر. وهنا نعود إلى كلام العلماء الذين قالوا: قد يوضع شيء في رأس العصا أو في السوط أو في شراك النعل فينقل الأخبار. لقد أصبحت الفكرة اليوم ممكنة من الناحية التقنية. ومن الأمثلة ما عرف باسم حذاء جوجل الذكي الذي عُرض في أوستن بولاية تكساس. وهو حذاء رياضي ذكي يتحدث مع صاحبه، ويحفزه أثناء ممارسة الرياضة، ويمكن أن يحتوي على حساسات لقياس الضغط أو الحركة والاتجاه، واتصال بالإنترنت أو بالبلوتوث، ومكبر صوت. فإذا توقف المستخدم مثلاً قد يحثه الحذاء على مواصلة الحركة، ويمكن أن ينقل إليه معلومات أو تنبيهات. وهنا نسأل: أليس هذا مثالاً قريباً جداً من فكرة أن يكلم الإنسان شراك نعله؟ أنا لا أقول إن الحديث محصور في هذا التطبيق أو أن هذا هو تفسيره النهائي، لكنني أقول إن ما كان يبدو للناس قبل قرون مستحيلاً أصبح اليوم ضمن حدود التقنية المعروفة. أما قوله: «ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده»، فنرى اليوم تطورات كبيرة في الشرائح الإلكترونية والأجهزة القابلة للزرع أو الارتداء. هناك شرائح وأجهزة طبية تراقب التئام الكسور، أو وظائف الجسم، أو تساعد في بعض العلاجات، أو تنقل بيانات من جسم الإنسان إلى أجهزة أخرى. وهناك أبحاث في الشرائح المرتبطة بالجهاز العصبي والحبل الشوكي، وتقنيات قابلة للارتداء أو الزرع لمراقبة حالة الإنسان. كما ظهرت تقنيات تسمى أحياناً بالجلد الإلكتروني أو الوشوم الإلكترونية، وهي رقائق ومواد رقيقة جداً توضع على الجلد وتستطيع قياس إشارات حيوية أو نقل معلومات. ومع صغر هذه التقنيات أكثر فأكثر، يمكن تصور أجهزة لا تكاد تُرى، ومع ذلك تنقل معلومات كثيرة. لكن علينا في الوقت نفسه أن ننتبه إلى الجانب الخطير: إذا استُخدمت هذه التقنيات بصورة سيئة فقد تتحول إلى وسيلة للتجسس أو التتبع أو انتهاك الخصوصية أو التأثير في سلوك الإنسان. إذن نحن أمام باب علمي واسع جداً، فيه خير كبير إذا أحسن الإنسان استخدامه، وفيه شر كبير إذا أسيء استخدامه. والنتيجة التي أصل إليها هي أن التطورات التقنية التي نشاهدها اليوم جعلت بعض المعاني التي وردت في الحديث الشريف أقرب إلى الفهم الحسي والعلمي مما كانت عليه في الأزمنة السابقة. والبحث والتطوير لم يتوقفا، وليس غريباً أن نرى مستقبلاً شرائح أو أجهزة أو مواد توضع على الجلد أو في الملابس أو في أجزاء من الجسم، فتعرض للإنسان معلومات عن نفسه وعن بيئته بطريقة لم تكن متصورة من قبل. ومن هنا أقول إن القضية ليست أن نتوقف عند الإعجاب بالتكنولوجيا، بل أن نستفيد منها في زيادة العلم والبحث والإيمان والعمل. بارك الله فيكم. ومن مصادر الحديث وتحقيقاته ما ورد في المستدرك للحاكم، وصحيح ابن حبان، ومصنف ابن أبي شيبة، ودلائل النبوة للبيهقي، والبداية والنهاية لابن كثير. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بارك الله في الجمعية الأردنية لإعجاز القرآن والسنة.