ماذا يحدث إذا تم استهداف مفاعل نووي؟ مع د. علي المر - خبير الوقاية من الإشعاع
- تاريخ النشر:
- 21 يونيو 2025
- التصنيف:
- مقابلة
في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، يناقش د. علي المر، خبير الوقاية من الإشعاع، السيناريوهات المحتملة لاستهداف مفاعل أو منشأة نووية، وما قد يترتب على ذلك من تسرب إشعاعي وآثار صحية وبيئية وتداعيات على السكان والأمن الإقليمي. يتناول اللقاء مستويات الضرر المحتملة، من التسرب المحدود إلى الحوادث واسعة النطاق، ومتطلبات الحماية والإخلاء والاستجابة للطوارئ.
النص المكتوب
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. أولاً، أشكركم جداً على هذه الزيارة، وأشكر فضائية رؤيا التي اهتمت بهذا الموضوع المهم. كما تعلم، الآن هي حرب نووية بطريقة غير مباشرة، وأول مرة في التاريخ يُعلن فيها استهداف منشآت نووية سلمية وغير سلمية، افتراضاً، بالقوة العسكرية. وهذه بادرة غريبة جداً في العالم، ولكنها حصلت. تدمير منشآت نووية أو قصفها أو محاولة تعطيل برنامج نووي يختلف عن سيناريوهات الحرب. ففي حالة الحروب، يتم التحفظ على قلوب المفاعلات أو المواد الحية أو المواد المشعة في أماكن آمنة. وبالتالي، لو قُصفت منشآت أو مبانٍ، فقد لا تتسبب في حوادث كبيرة جداً مثل الحادث الذي يقع في مفاعل أثناء تشغيله، ويكون الإشعاع أقل تأثيراً على البيئة والمحيط. لكن الأمر يعتمد على نوع المنشأة التي تُقصف. فلو ضُرب، مثلاً، مستودع مواد مشعة أو وقود مستنفد مخزن، فقد تكون له فعالية إشعاعية كبيرة جداً، وقد يتسبب في تلوث إشعاعي خطير ولآلاف السنين. نحن لا نعرف ما هي المواقع التي استُهدفت بالضبط، وإنما هي منشآت ومراكز بحث. محطة بوشهر النووية في إيران تعمل بقدرة 1000 ميجاوات. لا أظن أنها ستُستهدف، لأن ذلك سيكون عملاً مستهجناً علمياً وأخلاقياً ومن ناحية القوانين، ولأنه سيؤدي إلى تلوث إشعاعي واسع جداً، وخاصة في المنطقة القريبة من الخليج العربي وفي المنطقة المحيطة بالمحطة نفسها. أما المناطق الأخرى، مثل أراك، وهي منشأة للماء الثقيل، فلو قُصفت لا تتأثر المنطقة من حيث الإشعاع بالطريقة نفسها. وبالنسبة إلى معالجة الوقود النووي، فقد تتسبب في تلوث إشعاعي كبير جداً، مثل مواقع تخزين الوقود الخارج من المفاعلات. أما تخصيب اليورانيوم فلا يتسبب عادة في تلوث كبير جداً، ولكن بشكل عام هذه مواد مشعة، وتختلف أعمارها من مليارات السنين بالنسبة إلى اليورانيوم إلى أزمنة قصيرة جداً بالدقائق والثواني لبعض العناصر الأخرى. وقد تنطلق بعض العناصر المشعة إلى البيئة إذا ضُربت هذه المنشآت. هذا بالنسبة إلى إيران، وبالنسبة إلى إسرائيل فالأمر نفسه، وإنما يختلف التأثير حسب القرب منا كبلد. ورد الحديث أثناء اللقاء، وأنا ذكرت هذا الكلام. وإذا كان المقصود هو: هل استخدام المواد المشعة في الحروب يؤثر مثل المنشآت النووية السلمية التي تُقصف الآن؟ فالوضع يختلف في الحروب. هناك الكثير من المواد المشعة التي تستخدم في الحروب، مثل القنابل الانشطارية، والقنابل الهيدروجينية، وقنابل النيوترون، والقنابل القذرة، إضافة إلى اليورانيوم المنضب الذي يستخدم في الدروع وفي تصميم بعض رؤوس الصواريخ وغير ذلك، لأنه مادة ثقيلة وصلبة، ولذلك يُستخدم في بعض التطبيقات العسكرية وفي صناعة الدروع. المنشآت النووية تختلف عن المنشآت العسكرية العادية، ويختلف الأمر بحسب ما إذا كانت المادة معدة للاستخدام كسلاح، أو موجودة في منشأة نووية، أو مخصصة للتخزين. وكما تحدثنا، هناك فرق كبير جداً. فالقنبلة مصممة للتدمير، ويتم ذلك عبر ثلاث آليات، منها الموجة الحرارية وموجة الصدم العنيفة جداً لحظة الانفجار، والتي تدمر المباني في محيط قد يصل إلى كيلومترين أو بحسب حجم القنبلة، إلى جانب تأثيرات ممتدة تظهر مع الزمن خارج هذا المحيط. هذا الكلام لا يحدث بالطريقة نفسها في المفاعلات. فالمفاعلات إذا قُصفت قد تتسرب منها مواد مشعة إلى البيئة، وتسربها يؤدي عادة إلى أضرار بعيدة المدى وغير محسوسة مباشرة. القريبون جداً من المفاعل قد يتعرضون لأضرار خطيرة أو وفيات، وقد يكون العدد 10 أو 15 أو 20 أو 30 أو حتى 100 إلى 200 شخص، حسب نوع المفاعل وحجم الحادث. ولكن الإشعاع قد ينتشر على نطاق واسع جداً إذا ضُربت منشأة مثل بوشهر، ويرتفع مستوى الإشعاع في مناطق واسعة، كما حصل في كارثة تشيرنوبيل سنة 1986. وتكون التأثيرات على شكل أمراض غير مباشرة تظهر لاحقاً، مثل السرطانات المتأخرة أو التشوهات الخلقية في الأجنة والأطفال. أما الذين يموتون نتيجة الحروق الإشعاعية المباشرة فعادة ما يكون عددهم أقل، ويعتمد ذلك على نوع الحادث والمنشأة المتضررة. الحروق الإشعاعية تختلف عن الحروق الحرارية؛ فالإشعاع قد يؤدي إلى حرق الجسم إذا كان بتركيز عالٍ. أما تأثيره على المحيط والبيئة، فإذا ضُربت منشأة أو فُجر سلاح نووي، ينتشر الإشعاع في مساحات مختلفة بحسب القدرة والقوة ونوع المفاعل وحجمه، ويمكن تقسيم الأثر إلى عدة نطاقات. النطاق الأول يكون عادة في حدود 15 إلى 20 كيلومتراً. وفي محطة فوكوشيما في اليابان أُخليت مناطق قريبة من المحطة من السكان. أما المنطقة التالية، التي قد تمتد إلى نحو 30 كيلومتراً، فتكون فيها السيطرة الحكومية مشددة لضبط الحركة ونوعية الغذاء. وفي المناطق الأبعد تُفرض قيود أخف تدريجياً حتى ينخفض مستوى الإشعاع مع زيادة المسافة، وقد يمتد الأثر إلى مسافات أكبر بحسب طبيعة الحادث والظروف الجوية. إذا كانت محطة بوشهر تعمل وقُصفت، فقد ينتشر الإشعاع على نطاق واسع جداً بنسب متفاوتة. وتصبح المناطق القريبة جداً أكثر خطورة، بينما قد تخضع المناطق الأبعد لقيود على نمط الحياة والغذاء والحركة، ثم تخف هذه القيود كلما ابتعدنا عن موقع الحادث. لكن الإشعاع لا يختفي فجأة، بل يتناقص تدريجياً، وقد يؤدي إلى ارتفاع طفيف في مستويات الإشعاع في مناطق بعيدة. التأثير يعتمد على نوع المادة ونوع الحادث. مثلاً، اليورانيوم المستنزف أو المنضب، المتبقي بعد التخصيب وبعد فصل جزء من اليورانيوم 235، له عمر نصف طويل جداً، يصل إلى نحو 4.5 مليار سنة لبعض نظائر اليورانيوم. وهذا يعني أنه يبقى في البيئة لفترات زمنية هائلة. وإذا احترق أو انتشر في البيئة فقد تكون له سمية كيميائية وإشعاعية. ومن ناحية الخطر، هناك مواد قصيرة العمر عالية النشاط الإشعاعي، وهناك مواد طويلة العمر تستمر في البيئة لفترات طويلة، ولكل منها طبيعة مختلفة من المخاطر. هناك نوعان رئيسيان من الأمراض الناتجة عن التعرض للإشعاع. النوع الأول سريع، ويحدث عندما تتجاوز الجرعة حداً معيناً يعرف بعتبة التأثير. أما النوع الثاني فهو متأخر، مثل بعض أنواع السرطان، وقد يظهر بعد التعرض لجرعات أقل وعلى مدى زمني طويل. وقد ترتبط بعض التأثيرات أيضاً بمخاطر على الأجنة أو الأجيال اللاحقة، بحسب طبيعة الجرعة والتعرض. والأكثر حساسية بالتأكيد هم النساء الحوامل والأطفال، لأن أجسامهم في مراحل نمو وتكاثر خلوي مستمر، ولذلك قد تكون بعض الأنسجة والأعضاء أكثر تأثراً بالإشعاع. نأمل ألا تصل الأمور إلى حد استهداف المنشآت النووية، لأن ذلك قد يؤدي إلى أضرار بيئية طويلة الأمد في المنطقة المتضررة. التلوث ينتشر أولاً في الهواء والماء والمواد الغذائية. وعن طريق الهواء يمكن أن ينتقل الإشعاع لمسافات مختلفة بحسب طبيعة الحادث والرياح والظروف الجوية. الإشعاع لا ينتهي فجأة، بل يتناقص تدريجياً، وقد يمتد تأثير التلوث إلى عشرات أو مئات الكيلومترات بحسب طبيعة الحادث. والمشكلة أن التلوث لا ينتقل بالهواء فقط، بل يمكن أن ينتقل بالماء، وأيضاً عبر الحدود من خلال استيراد وتصدير الأغذية والمواد الملوثة. إجراءات الوقاية الضرورية تشمل ضبط الحدود والرقابة على الاستيراد والتصدير، وإجراء فحص إشعاعي للمواد القادمة من مناطق قريبة من الحوادث. وإذا وقع حادث وأُعلن عنه رسمياً، فقد توصي الجهات الصحية المختصة باستخدام أقراص اليود في ظروف محددة، وخاصة للفئات الأكثر عرضة، وذلك تحت إشراف طبي ورسمي. والهدف هو تقليل امتصاص الغدة الدرقية لليود المشع عند وجود خطر مثبت من التعرض له. كما قد يُنصح، بحسب طبيعة الحادث وتوجيهات الجهات المختصة، باستخدام الأغذية المعلبة وتجنب بعض الأغذية الطازجة مؤقتاً إذا كان هناك احتمال لتلوثها. وقبل كل هذا، يجب أن يسود الرشد وأن يتجنب العالم أي عمل يؤدي إلى استهداف المنشآت النووية، لأن أضرارها البيئية قد تكون طويلة الأمد. أما عن استخدام الأقنعة أو الكمامات، فهل هي نافعة؟ قد تكون مفيدة في بعض الحالات إذا كان هناك تلوث محمول في الهواء وبتركيزات محدودة، ولكن طرق التلوث لا تقتصر على الهواء فقط. نحن قد نتأثر بأي حادث يقع في منطقة قريبة، بحسب المسافة واتجاه الرياح وفروقات الضغط الجوي وحركة الهواء. وفي حال تعرضت محطة بوشهر في إيران لحادث كبير، فقد تتأثر دول الخليج بدرجات متفاوتة، مما يفرض على هذه الدول قياس مستويات الإشعاع باستمرار. في الأردن، أنشأنا خطة طوارئ عام 1986 فور وقوع حادثة تشيرنوبيل، وأطلقنا مشروعاً للقياس الإشعاعي البيئي عُمم لاحقاً على عدد من الدول العربية، مثل مصر والسعودية وغيرها. ثم أسسنا شبكة رصد إشعاعي بيئي عبر محطات لقياس الإشعاع العابر للحدود في مختلف المحافظات. وكانت شبكة فعالة جداً إبان عملي في مديرية الطاقة النووية. وقد تركتها منذ فترة ولا أعلم وضعها الحالي، لكننا نأمل أن تكون قيد التشغيل والمراقبة المستمرة. وفي عام 1986 دعت مديرية الطاقة النووية في وزارة الطاقة إلى اجتماع عربي في عمّان عقب حادثة تشيرنوبيل لتدارس الموقف، ونتج عن ذلك مشروع إقليمي لقياس الإشعاع في عدد من المواقع في الأردن، وفي عشرات المواقع في مصر، ثم التحقت به دول أخرى مثل سوريا والعراق والسعودية وإيران. ولاحقاً تم بناء شبكة إنذار مبكر أوتوماتيكية ترصد دخول الإشعاع إلى المملكة بشكل آلي. ومن الأمثلة التاريخية على الرصد أنه عند وقوع أحداث عسكرية في المنطقة، رصدت الشبكة في بعض الحالات مستويات محدودة من بعض المواد المشعة، ومنها اليود المشع، في عينات قليلة. وبسبب قصر عمر النصف لبعض هذه المواد فإنها تتلاشى بسرعة نسبية. ثم توسعت هذه الشبكات والمشاريع لاحقاً لتشمل نطاقاً إقليمياً ودولياً أوسع، بما يعزز القدرة على كشف أي إشعاع خارجي يدخل البيئة الأردنية. ونأمل أن تكون هذه الأنظمة مستمرة في العمل بكفاءة، وأن تستمر جهود الطواقم المختصة في مراقبتها.